بقلم | الدبلوماسي السابق – فرج الزروق

وسط ضجيج التسريبات حول “مبادرة أمريكية” مزعومة لحل الأزمة الليبية، يبرز سؤال جوهري: هل تملك هذه المبادرة أي فرصة حقيقية للنجاح؟ التحليل الموضوعي للمعطيات على الأرض، والإطار القانوني، وتوازنات القوى الإقليمية والدولية، يقود إلى استنتاج واحد: المبادرة أقرب إلى المستحيل، وأي محاولة لفرضها ليست سوى مغامرة بعواقب كارثية.

أولاً: جدار الرفض الداخلي المنيع

لم تكن “الصفقة” التي تتحدث عن تقاسم للسلطة بين عائلتي الدبيبة وحفتر مجرد فكرة، بل كانت شرارة وحّدت قطاعات واسعة من الليبيين ضدها. من “اجتماع مصراتة” التاريخي الذي أعلن رفضه القاطع لـ”الصفقات المشبوهة” و”حكم العائلات”، إلى بيانات الأحزاب والمجلس الأعلى للدولة، الرسالة كانت واحدة: رفض قاطع لاستبدال المسار الديمقراطي بـ”صفقة نخب”. هذا الرفض ليس نظرياً؛ بل تُرجم إلى تحذيرات أمنية جادة من عودة الاحتراب إذا ما حاول أي طرف فرض الأمر الواقع بقوة خارجية.

ثانياً: الانقسام في معقل حفتر.. شرخ في أساس المبادرة

حتى داخل شرق ليبيا، لا تجد المبادرة طريقاً ممهداً. فالمشهد لا يقتصر على رفض شعبي مكبوت تحت القبضة الأمنية، بل وصل إلى انقسام علني داخل أسرة حفتر الحاكمة نفسها:

* خالد حفتر: رئيس أركان قوات “القيادة العامة”، أعلن صراحةً رفضه لـ”الترتيبات السياسية المدعومة بأجندات خارجية”، معتبراً أنها تكرس الفساد وتطيل أمد الأزمة. هذا الموقف يُقرأ على نطاق واسع كتحدٍ مباشر لأخيه صدام الذي تمنحه المبادرة دور البطولة.

* بلقاسم حفتر: مدير صندوق التنمية وإعادة الإعمار، أعلن هو الآخر رفضه لمخرجات اجتماعات رأب الصدع التي ترعاها واشنطن، مؤكداً أنها “غير ملزمة له”.

هذا الشرخ العلني بين صدام من جهة، وخالد وبلقاسم من جهة أخرى، يُظهر أن المبادرة لم تفشل فقط في توحيد الليبيين، بل فجّرت صراعاً على النفوذ داخل بيت الحكم في الشرق ، مما يقوض الشرط الأساسي لنجاحها: وجود طرف شرقي موحد يقبل بها.

ثالثاً: الاصطدام بحائط مسدود في مجلس الأمن

قراءة المشهد في نيويورك تؤكد أن المبادرة، بصيغتها الأمريكية، لا تملك أي فرصة لعبور مجلس الأمن. روسيا التي تملك حق النقض “الفيتو”، وتتعامل مع المبادرة بـ”حذر وترقب”، لن تسمح بتمرير مسار يهمش دورها أو لم تُستشر فيه بشكل جوهري. كما أن ولاية بعثة الأمم المتحدة (UNSMIL) مُقيدة بتفويض من المجلس لـ”تيسير” عملية ليبية-ليبية، ولا يمكنها قانوناً دمج أي مبادرة خارجية في خارطتها دون ضوء أخضر من المجلس، وهو أمر شبه مؤكد غائب.

رابعاً: مأزق البعثة الأممية والمصداقية

السيناريو الوحيد المتبقي نظرياً هو “دمج” الرؤية الأمريكية تحت المظلة الأممية. وهذا بدوره مستحيل عملياً دون موافقة مجلس الأمن، وسيكون انتحاراً سياسياً لمصداقية البعثة. فإذا بدت البعثة وكأنها تتبنى صفقة منحازة، سيراها الليبيون أداةً لتمرير أجندة خارجية، مما ينسف ما تبقى من ثقة في الدور الأممي ويدفع بالعملية السياسية إلى هاوية أعمق.

خلاصة القول ، إن المبادرة المزعومة تفتقر لأي مقوم من مقومات النجاح: لا شرعية داخلية، ولا غطاء دولياً، وتواجه عداءً إقليمياً من قوى مؤثرة، والأهم أنها فجّرت انقسامات عميقة في المجتمع الليبي حتى داخل أسرة حفتر نفسها. إنها لا تبني توافقاً، بل تهدم ما تبقى من تماسك، وتنطوي على خطر إشعال حرب أهلية جديدة. الحل في ليبيا لا يمكن أن يكون “صفقة” تُعقد في الغرف المغلقة، بل مساراً وطنياً جامعاً يقوده الليبيون أنفسهم ، ربما عبر الحوار المهيكل الذي تسيره البعثة ، لعله هذه المرة يفضي الى إجراء انتخابات حرة ونزيهة