انعقاد الطاولة الرباعية اليوم في روما ليس حدثًا عابرًا، ولا مجرد لقاء بين أطراف متخاصمة، بل هو نتيجة ضغطين كبيرين التقيا في لحظة واحدة

  • الأول: ضغط الحوار المهيكل؛ فلولا الحوار المهيكل، ولولا الإشارة الواضحة إلى إمكانية تجاوز سلطات الأمر الواقع عبر أدوات الاتفاق السياسي الليبي (المادة64)، والذهاب إلى (لجنة حوار) أو (آلية بديلة) تستكمل خارطة الطريق الأممية، لما شعر هؤلاء أن الوقت المفتوح بدأ يُغلق.

لسنوات عديدة حاول المبعوث السابق عبدالله باتيلي جمع هذه الأطراف، فكانوا يراوغون، يؤجلون، يشترطون، وينتظرون تغيّر الموازين

واليوم تغيّر شيء جوهري فلم يعد الحضور إلى الطاولة خيارًا دبلوماسيًا مريحًا، بل أصبح وسيلة لتفادي أن تُصنع القواعد من خارجهم، وهنا جوهر المسألة فعندما يشعر الفاعل أن غيابه لن يوقف المسار يبدأ بالحضور تلقائيًا

  • الثاني: ضغط تقرير فريق الخبراء
    تقرير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن لم يكن مجرد وثيقة فنية،
    بل كان كشفًا سياسيًا لبنية المصالح التي تغذت على الأزمة: “المال، السلاح، التهريب، النفوذ، وتداخل الدولة مع شبكات الأمر الواقع،
    هذا النوع من التقارير لا يغيّر السلوك لأنه (ينصح)، بل لأنه يرفع الكلفة.

بعده لم يعد من السهل على أي طرف أن يقول: أنا جزء من الحل، بينما تُظهر الوثائق الدولية أنه جزء من المشكلة أو مستفيد من استمرارها.

المفارقة_الأهم

نحن في الحوار المهيكل عقدنا كل لقاءاتنا ونقاشاتنا داخل ليبيا، ناقشنا مستقبل الدولة بين الليبيين، وعلى الأرض الليبية، وبحضور أصوات مختلفة من المجتمع والسياسة والخبرة،

أما سلطات الأمر الواقع، فحين شعروا بالضغط الحقيقي، لم يجتمعوا في ليبيا، بل ذهبوا إلى عواصم أوروبا، وهذا ليس تفصيل بروتوكولي حيث أنه يكشف الفرق بين مسارين:

مسار يحاول أن يبني قواعد داخلية للدولة ومسار يحاول أن يحمي مواقع النفوذ عبر تفاهمات خارجية،

– ما الذي تعنيه طاولةروما؟

تعني أن الطاولة الرباعية لم تنجح لأنها أقنعت الأطراف بالحل، بل لأنها وضعتهم أمام معادلة جديدة إما أن تدخلوا في ترتيب القواعد أو ستُصاغ القواعد بدونكم، وهذه هي السياسة في معناها الحقيقي.

ليست (جمع الخصوم) حول طاولة، (بل تغيير حساباتهم) قبل أن يجلسوا عليها لكن الخطر قائم إذا تحولت طاولة روما إلى (صفقة) بين (سلطات الأمر الواقع)، فسنكون أمام (إعادة إنتاج للأزمة) بغطاء دولي جديد،

أما إذا استُخدمت كأداةلإلزامهم (بخارطة طريق واضحة)، (وبجدول زمني)، (وبكلفة حقيقية للتعطيل)، فقد تكون بداية انتقال من (إدارة الأزمة) إلى (فرض قواعد الحل)،

السؤال_الحاسم

هل ستستخدم البعثة الطاولة الرباعية (لترويض سلطات الأمر الواقع) وإدخالها تحت قواعد ملزمة؟
أم ستسمح لهذه السلطات بأن تبتلع (خارطة الطريق) وتحوّلها إلى تفاهم جديد لتقاسم النفوذ؟

بإختصار:

طاولة روما لم (تولد) من حسن النوايا، (ولم تنعقد) لأن الأطراف فجأة قررت (إنقاذ ليبيا)، انعقدت لأن هناك (ضغطًا) بدأ يعمل حوارمهيكل (يلوّح) بتجاوز المعطلين.

وتقرير خبراء (يضع) كلفةسياسية وأخلاقية على استمرار اللعبة القديمة،

لهذا يجب أن نقرأ (روما) كما هي: ليست حلًابعد لكنها إشارة إلى أن من (كانوا يملكون) حق التعطيل بدأوا (يخافون) من فقدانه،

وهذه في السياسة الليبية، ليست أمرًا صغيرًا.