بقلم | الكاتب السياسي – محمد غميم

هناك دول تسقط في ليلةٍ واحدة تحت وقع الحروب، وأخرى تنهار بسبب كارثة طبيعية أو أزمة اقتصادية طاحنة. لكن أخطر أنواع الانهيار هو ذلك الذي يحدث ببطء، حتى يعتاد الناس عليه، ويتعاملوا معه وكأنه قدرٌ لا يمكن تغييره. وهذا، للأسف، هو حال ليبيا اليوم؛ فهي تعيش موتًا غير مُعلن.

فالدولة لا تُقاس بوجود حكومة، أو برفع العلم فوق المباني الرسمية، أو بعقد المؤتمرات وإطلاق الشعارات. بل تُقاس بقدرتها على فرض القانون، وحماية حدودها، وصيانة كرامة مواطنيها، وإدارة مواردها بعدالة وكفاءة. وعندما تفقد هذه الوظائف، يبقى الشكل قائمًا، بينما يتآكل الجوهر.

• لقد فقدت ليبيا هيبتها في مستنقع الفساد الذي تمدد حتى أصبح جزءًا من المشهد اليومي. أموالٌ عامة تُهدر، ومشاريع تُعلن أكثر مما تُنجز، ومناصب تُوزع بالمحاصصة والولاءات، بينما يدفع المواطن وحده ثمن هذا العبث من معيشته ومستقبله.

• وفقدت ليبيا هيبتها أيضًا عندما تراجعت سلطة الدولة أمام نفوذ الجماعات المسلحة والسلاح المنفلت. فعندما تصبح القوة خارج إطار القانون، ويُفرض النفوذ بالسلاح لا بالمؤسسات، يتحول القانون إلى مجرد نصوص لا تجد من يطبقها.

• وفقدت ليبيا هيبتها كذلك على حدودها، التي يُفترض أن تكون عنوان السيادة، لكنها أصبحت في نظر كثيرين عنوانًا لضعف الدولة، بعدما تكررت مشاهد الاختراقات والأنشطة غير المشروعة، في ظل عجزٍ واضح عن فرض السيطرة الكاملة على كامل التراب الليبي.

ولا يمكن الحديث عن هذا المشهد دون التوقف عند أداء الحكومة الحالية، التي جاءت إلى السلطة باعتبارها حكومةً انتقالية، تحمل وعودًا بإنهاء الانقسام، وتوحيد مؤسسات الدولة، وحل أزمة الكهرباء، وتحسين الوضع الاقتصادي، وتهيئة البلاد لإجراء الانتخابات.

لكن بعد نحو خمس سنوات، لا يرى المواطن أن تلك الوعود قد تحققت:

• فالانقسام السياسي لا يزال قائمًا

• والانتخابات لم تُجرَ

• وأزمة الكهرباء لم تنتهِ، بل عادت لتفرض نفسها كل صيف

• بينما تراجعت قيمة الدينار، وازدادت الأعباء المعيشية

•واستمر الجدل حول الإنفاق العام والفساد وسوء الإدارة.

ليست المشكلة في أن الحكومة أخفقت في تنفيذ برنامجها فحسب، بل في أن الإخفاق طال أبرز الملفات التي جاءت من أجل معالجتها. ولهذا يرى كثير من منتقديها أنها لم تعد جزءًا من الحل، بل أصبحت جزءًا من الأزمة، وأسهمت في ترسيخ واقع استنزف الدولة بدلًا من إنقاذها.

إن أخطر ما يواجه ليبيا اليوم ليس الفساد، أو الانقسام، أو تدهور الخدمات فحسب، بل اعتياد الليبيين على كل ذلك. فعندما يصبح انقطاع الكهرباء أمرًا طبيعيًا، وانخفاض قيمة العملة خبرًا متكررًا، واستمرار المرحلة الانتقالية واقعًا دائمًا، يبدأ الإحساس بالخطر في التلاشي، رغم أن الدولة تواصل فقدان مقوماتها عامًا بعد عام.

ليبيا لا تعيش موتًا مُعلنًا، ولن يُرفع يومًا بيانٌ رسمي يعلن وفاة الدولة. لكنها قد تموت بصمت، عندما تضيع هيبتها، وتُستباح حدودها، وتُستنزف ثرواتها، وتتراجع مؤسساتها عن أداء دورها، بينما يواصل المسؤولون الحديث عن الإنجازات، ويواصل المواطن البحث عن أبسط مقومات الحياة.

فالدول لا تموت دائمًا بصوت المدافع، بل قد تموت بصمت… تحت وطأة الفساد، وسوء الإدارة، وضياع المسؤولية، حتى يبقى الوطن حيًّا على الخرائط، بينما تغيب عنه مقومات الحياة التي يستحقها مواطنوه.