بقلم المرشح الرئاسي – فضيل الأمين
لا يكاد يمر يوم، بل أحياناً لا تمر ساعات، إلا وتقذف بنا مواقع التواصل الاجتماعي إلى فضيحة جديدة: نهبٌ للمال العام، ووثائق تكشف وقائع فساد، وأسماء لمتورطين، وصور لمتهمين، بعضهم يشغل أعلى مواقع الدولة.
ولا يألو المدونون الذين يكشفون هذه الفضائح جهداً، ويسندهم في ذلك من يمدهم بالوثائق والمعلومات، إيماناً منهم بأن كشف الحقيقة واجب وطني لا يجوز التراجع عنه.
غير أن دوائر الفساد، بدلاً من أن تنكمش، تتسع. وبدلاً من أن يستتر مرتكبوها، يجاهرون بما فعلوا. وبدلاً من أن يُقابلوا بالازدراء، يُقابل بعضهم بالإعجاب.
فتسمع عبارات من قبيل: “صحة ليده”، و”يعرف كيف يغرف ويأكل”، و”شاطر وفالح”.
ثم يتحول الإعجاب إلى مجاراة، والمجاراة إلى تقليد، والتقليد إلى سعي محموم وراء “الحصة”.
هكذا، وفي غياب المساءلة والعقاب، لا يتحول الفساد وحده إلى عادة، بل يتحول كشفه أيضاً إلى عادة. يُستهلك الخبر، وتشتعل موجة الغضب لساعات أو أيام، ثم ينطفئ كل شيء، ويُطوى الملف من غير أثر.
ومع مرور الوقت، يترسخ بين الناس منطق: “هي رايحة رايحة”، ويغلب مبدأ: “إذا لم تستطع منعهم فانضم إليهم”. ويتسلل إلى النفوس شعور خفي بأن سفينة الوطن غارقة لا محالة، وأن الحكمة لم تعد في إنقاذها، بل في اقتناص أكبر قدر ممكن من الغنائم قبل أن تغرق.
بهذه الطريقة، ومن غير أن نشعر، يصبح الفساد مألوفاً، ويصبح قبوله شائعاً. ولا تعود التعرية التي يمارسها المدونون باعثةً للخوف أو الخجل لدى الفاسد، بل تتحول أحياناً إلى وسيلة للتباهي واستعراض النفوذ، وكأن كثرة الاتهامات دليل على القوة لا على الانحراف.
وفي غياب القانون الرادع، وغياب مؤسسات الدولة القادرة على حماية المال العام وإنفاذ العدالة، يتحول جهد المفسدين من نهب فردي متفرق إلى مشروع جماعي، غير معلن، لإدامة انهيار الدولة ومنع قيامها من جديد.
وهنا يفرض السؤال نفسه:
حين نُكثر الحديث عن الفساد، من غير أن تتحرك المؤسسات المنوط بها محاسبته، هل نصنع ــ من حيث لا ندري ــ ما يمكن تسميته بـ”بلادة الأُلفة”؟
هل نُخرج الفساد، رويداً رويداً، من دائرة المرفوض والمستنكر والمجرَّم، لندخله إلى دائرة المقبول، بل والمُعجب به، حيث يُقاس مرتكبه بمعيار الجرأة والدهاء، لا بمعيار النزاهة والأمانة؟
إن الفضح وحده لا يكفي.
فالفضح يوقظ الضمير حين يعقبه حساب، لكنه قد يفقد أثره حين يتكرر من غير عدالة. وعندما يصبح الكشف خبراً يومياً بلا عقاب، فإنه لا يبني الوعي، بل قد يخدره، ولا يعزز مناعة المجتمع، بل يضعفها.
والأمم لا تنهار يوم ينتشر فيها الفساد فحسب، بل قد تبدأ بالانهيار يوم تعتاد عليه، وتتوقف عن الغضب له، ويصبح الاستثناء هو النزاهة، بينما يغدو الفساد هو القاعدة التي يتكيف معها الجميع.
فالدولة لا يحطمها الفساد وحده، وإنما يحطمها اعتياد المجتمع على الفساد.
والأمة التي تعتاد سماع الفضيحة من غير أن ترى العقاب، تُخاطر بأن تفقد، مع الوقت، قدرتها على الغضب.






