بقلم | مجدقنود – صحفي

لم يعد انهيار النظام الدولي مجرد نبوءة تشاؤمية تُتداول في الأروقة الأكاديمية، بل صار حقيقة مُعاشة، وموضوع اعتراف جماعي صريح على أعلى المستويات. ففي منتدى دافوس الاقتصادي العالمي لعام 2026، لم تقتصر النقاشات على مستقبل الاقتصاد والتقنية، بل تحوّلت المنصة إلى مسرح للاعتراف بوفاة المنظومة التي قامت بعد الحرب العالمية الثانية على فكرة تقييد القوة بالقانون.
ما نشهده اليوم هو تحوّل نموذجي من نظام الشرعية الدولية، بكل ما فيه من نفاق، إلى نظام الغلبة العارية، حيث يُستبدل القانون بمنطق الإكراه.

لقد كان النظام الدولي، في جوهره، محاولة لتأطير القوة العظمى ضمن ميثاق، ليصبح القانون هو القيد الذي يمنع العودة إلى فوضى.
لكن هذا الوهم بدأ يتآكل بوتيرة متسارعة، خصوصاً مع عودة الخطاب السياسي الذي لا يتورع عن كشف القناع. فإعادة تسمية وزارة الدفاع الأمريكية بـ«وزارة الحرب»، والتلويح العلني بتغيير أنظمة سياسية والاستيلاء على أراضٍ، كما حدث في سياق التهديد بضم غرينلاند، كلها إشارات لا لبس فيها على أن الولايات المتحدة، المهندس الأكبر للنظام القديم، هي من تتولى اليوم مهمة هدمه، إنها لحظة كشف القناع، حيث تتخلى القوة عن لغة الدبلوماسية لتتحدث بلغة الفرض والإكراه.

عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض لم تُنشئ هذا التحول، لكنها نزعت عنه آخر أقنعته. تغيير الأنظمة واختطاف رئيس دولة مستقلة، والاستيلاء على أراضٍ، واستخدام القوة العسكرية خارج أي غطاء قانوني، لا يعكس جنون سياسة بقدر ما يكشف الحقيقة التي حاول العالم تجاهلها طويلًا: القانون الدولي يعيش فقط بقدر ما تسمح به موازين القوة.

إن أبرز ما ميّز “تشييع” النظام في دافوس هو التحول من الجيوسياسة إلى الجيو-اقتصاد كأداة رئيسية للسيطرة. هذا ما أكده رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في خطابه الذي وُصف بالاستثنائي، حين أعلن بوضوح أن “النظام الدولي القائم على القواعد لن يعود”.
لم يكتفِ كارني بالتحذير، بل قدّم تحليلاً فلسفياً عميقاً لآلية الانهيار، مشيراً إلى أن القوى العظمى بدأت تستخدم التكامل الاقتصادي كسلاح، والبنى التحتية المالية كوسيلة إكراه، وسلاسل التوريد كنقاط ضعف يمكن استغلالها. وبذلك، تحوّلت المنفعة المتبادلة، التي كانت الركيزة النظرية للعولمة، إلى مصدر للخضوع والتبعية. إن عبارته الشهيرة التي وجهها للدول المتوسطة: “إذا لم تكن جالسة إلى الطاولة، فستكون على قائمة الطعام”، هي خلاصة مكثفة للمنطق الجديد الذي يحكم العلاقات الدولية.

هذا التحول الجذري لم يمر دون أن يثير قلقاً وجودياً في قلب المعسكر الغربي نفسه. فقد عبّر القادة الأوروبيون عن صدمة عميقة إزاء سلوك الحليف الأكبر.
رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر قال بوضوح إن الولايات المتحدة لم تعد تتصرف كحليف، وهو ما يمثل شرخاً غير مسبوق في التحالف الأطلسي. أما مستشار ألمانيا فريدريش ميرتس، الذي تحمل بلاده ذاكرة ثقيلة مع منطق القوة، فقد حذّر من أن النظام العالمي يتغير “بسرعة مذهلة” لصالح معادلة لا تخدم إلا الأقوى، داعياً أوروبا إلى التحرك السريع والواقعي لتعزيز استقلالها الذاتي.
هذه الدعوات الأوروبية لـ “الاستقلال الاستراتيجي” ليست مجرد تكتيك، بل هي اعتراف بأن المظلة الأمنية والقانونية الأمريكية لم تعد موثوقة، وأن أوروبا أصبحت مضطرة للبحث عن توازن قواها الخاص في عالم ما بعد القانون.

حتى الأمم المتحدة، التي يفترض أن تكون صمام الأمان الأخير، بدت عاجزة ومقلقة. وقد تجسّد هذا العجز في صورة رمزية بليغة، تمثلت في غياب أمينها العام أنطونيو غوتيريش عن المنتدى لإصابته بالإنفلونزا. لقد كان هذا الغياب، وإن كان سببه مرضاً عضوياً بسيطاً، استعارة عميقة لحالة الوهن الهيكلي الذي أصاب المنظومة الدولية نفسها. ورغم غيابه، فقد حذّر غوتيريش من أن تجاهل القانون الدولي يقوّض النظام العالمي ويصنع سابقة خطيرة، تؤسس لعالم غير متكافئ تنهار فيه القيم والمؤسسات المشتركة. إن هذا التحذير، الصادر من أعلى سلطة قانونية دولية، هو بمثابة شهادة وفاة رسمية على فعالية المنظومة، ومرضه هو رمز لمرضها.

إن دافوس 2026 لم يكن مجرد ملتقى اقتصادي، بل كان لحظة تجلٍّ سياسي، أعلن فيها قادة العالم، بوعي أو بغير وعي، نهاية مرحلة تاريخية. لم يعد السؤال المطروح ما إذا كان النظام الدولي ينهار، بل أي نظام سيولد من تحت أنقاضه. هل سنعود إلى فوضى توازن القوى الكلاسيكية، حيث تُعاد قسمة الثروات وتُرسم الحدود وفق ميزان القوة وحده؟ أم أن الدول المتوسطة ستنجح في بناء تحالفات جديدة قادرة على فرض نوع من التقييد على القوى العظمى؟ المؤكد أننا انتقلنا من عصر “القانون المقيد” إلى عصر “الغلبة العارية”، ودافوس لم يناقش المستقبل… بل أعلن نهاية الماضي.