الفساد في ليبيا لم يعد مجرد تجاوزات يرتكبها بعض المسؤولين، ولم يعد يُقاس بعدد القضايا التي تُكشف أو بالأموال التي تُهدر، بل أصبح ظاهرة مؤسسية نمت في ظل الانقسام السياسي، وضعف مؤسسات الدولة، وغياب الرقابة الفاعلة، وتأخر استكمال البناء الدستوري للدولة.
ولهذا، فإن اختزال الحل في تغيير مسؤول أو إقالة وزير أو إحالة موظف إلى التحقيق لن يحقق النتيجة المرجوة، لأن المشكلة الحقيقية ليست في الأشخاص، وإنما في المنظومة التي تسمح بإنتاج الفساد وإعادة إنتاجه باستمرار.
فعندما تغيب المرجعية الدستورية، وتضعف سيادة القانون، وتتداخل الاختصاصات بين المؤسسات، وتغيب المساءلة الحقيقية، يصبح الفساد جزءًا من آلية إدارة الدولة، لا مجرد انحراف فردي. وتتحول الوظيفة العامة من خدمة للمواطن إلى وسيلة لتحقيق النفوذ والمكاسب الشخصية.
إن أي مشروع جاد لمكافحة الفساد يجب أن يبدأ بإصلاح الدولة نفسها، من أعلى هرم السلطة إلى أصغر وحدة إدارية. إصلاح يقوم على إعادة هيكلة المؤسسات، وإلغاء مواطن الترهل والازدواجية، واعتماد معايير الكفاءة والنزاهة في تولي المناصب العامة، بعيدًا عن المحاصصة والولاءات الضيقة.
كما أن الإصلاح المؤسسي لا يمكن أن ينجح دون منظومة تشريعية حديثة وصارمة، تواكب متطلبات المرحلة، وتسد الثغرات القانونية، وتجرّم الإثراء غير المشروع، وتحمي المبلغين عن الفساد، وتمنح الأجهزة الرقابية والقضاء الاستقلال الكامل لممارسة دورهما دون أي تدخل أو ضغط.
ولا يقل أهمية عن ذلك تفعيل مبدأ «من أين لك هذا؟»، وملاحقة كل من استولى على المال العام أو استغل سلطته لتحقيق منفعة شخصية، مع مصادرة الأموال والعقارات والأصول المتحصلة من الفساد، واسترداد الأموال المهربة إلى الخارج وإعادتها إلى خزينة الدولة، حتى يدرك الجميع أن المال العام ليس مباحًا، وأن الإفلات من العقاب لن يستمر.
إن استمرار الفساد يعني استمرار تعطيل التنمية، واستنزاف الثروات، وتراجع الخدمات، وفقدان ثقة المواطن في مؤسسات الدولة. فلا يمكن بناء اقتصاد قوي، أو تعليم متطور، أو قطاع صحي قادر على خدمة المواطنين، في ظل منظومة يلتهمها الفساد من الداخل.
لقد آن الأوان للانتقال من مرحلة الحديث عن مكافحة الفساد إلى مرحلة بناء دولة تمنع الفساد قبل وقوعه. فالدولة القوية لا تُقاس بعدد أجهزتها الرقابية، بل بقدرتها على إنشاء منظومة تجعل النزاهة هي القاعدة، والفساد هو الاستثناء.
إن ليبيا اليوم لا تحتاج إلى حملة مؤقتة ضد الفساد، بل إلى مشروع وطني شامل لإعادة بناء الدولة على أسس دستورية وقانونية ومؤسسية سليمة، لأن غياب الدستور، واستمرار الانقسام، وضعف المؤسسات، كلها عوامل وفرت بيئة خصبة للفساد وأعاقت أي إصلاح حقيقي.
فإذا أردنا القضاء على الفساد، فعلينا أولًا أن نبني دولة المؤسسات، ودولة القانون، ودولة الدستور. عندها فقط يصبح الفساد جريمة يُحاسب مرتكبها، لا واقعًا تتعايش معه الدولة والمجتمع.