بقلم | د.مختار أبوصاع – مدير مركز البحوث والدراسات الاستراتيجية

كل من فتح هاتفه هذه الأيام وتصفح مواقع التواصل الاجتماعي يجد أمامه موضوع أزمة الهجرة غير الشرعية والتوطين، وكأنها أزمة نزلت علينا فجأة. هذا الملف ليس جديداً. منذ سنوات والتحذيرات تتعالى والجذور معروفة للجميع، لكن الأزمة لم تُعالج بجدية حتى اليوم. ما نراه من توطين وهجرة غير شرعية وجريمة منظمة ليس إلا أعراضاً.

المرض الحقيقي هو انقسام الدولة — حكومتان ومؤسسات ممزقة. في هذا الواقع لا توجد حلول حقيقية ممكنة، وهذه حقيقة يجب أن تُقال بكل وضوح. الانقسام دمّر المؤسسات، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية المنوط بها مكافحة الهجرة غير الشرعية والقضاء على الظواهر الهدامة.

أجهزة أصبحت فارغة من محتواها، بلا هدف ولا عقيدة، استشرى فيها الفساد، وانتسب إليها غير المؤهلين دون أدنى تدريب. أعضاؤها يحملون رتباً وهمية، وقياداتها ضعيفة بلا خبرة، ومنهم من نال ترقيات متعددة في وقت قياسي، بما يتجاوز كل الأعراف والأنظمة المتعارف عليها في هذا المجال.

الحل واضح ولا بديل عنه أن تجلس الأطراف الفاعلة على الأرض إلى طاولة واحدة، وأن يتنازل كل طرف عن شيء من مصالحه لصالح شيء أكبر من الجميع — هو الوطن. سواء أُفضى ذلك إلى دمج الحكومتين أو تشكيل مجلس رئاسي بصلاحيات تنفيذية حقيقية أو أي صيغة أخرى، فالشكل قابل للنقاش.

المهم أن تُوحَد مؤسسات الدولة وأن تعود الدولة، بغض النظر عمن يحكم — فرد أو هيئة — المهم أن تُحكَم البلاد وتتوحد تحث سلطة واحدة. ويجب أن يكون من يتولى القيادة قادراً فعلاً لا شكلاً على الحكم، وعلى اتخاذ القرارات الصعبة، وانتشال البلاد مما هي فيه. قيادة بلا إرادة حقيقية وصلاحيات حقيقية لن تكون أكثر من فصل جديد في مسلسل الفشل.

وعلينا كليبيين أن نتوقف عن الوهم والانبهار بنموذج الديمقراطية الغربية المفصّلة على ثقافة شعوبها. وعلى الأطراف الفاعلة أن تتفق على نظام حكم يناسب ثقافة شعبنا وتاريخه وخصوصيته، لا أن تستورد نماذج فُصِّلت لمجتمعات أخرى ولا تلائم واقعنا.

الدول العربية لم تعرف استقراراً حقيقياً إلا في ظل الحكم المركزي الموحد، من عهد الخلفاء الراشدين. وكل يوم يمر على هذا الحال يُسرّع وتيرة الوصول إلى الدولة الفاشلة التي باتت ليبيا على مرمى حجر منها. إما الجلوس والاتفاق وتوحيد مؤسسات الدولة — وإما التوطين والاحتلال وكل أنواع الذل والهوان. والله المستعان.