بقلم| المستشار القانوني – جمعة أبوزيد

رسالة إلى الليبيين قاطبة

لقد فُتحت أبواب الجحيم الاقتصادي على مصراعيها؛ فبعد أن عُبث بقيمة عملتنا الوطنية، وتوحشت الأسعار بصورة لم تعد تطاق، وقف المواطن الليبي عاجزاً، مكسور الجناح أمام أبسط مقومات الحياة، وأصبح شبح المجاعة يهدد كل بيت.

أمسكوا بأيديها لتنهض!.. إنها ليبيا، أيها المدّعون حبها.. إنها وطنكم المعلق من عرقوبيه في هواء الخلافات العقيم. نريدها أن تمشي، أن تعلو، أن تكون هي الحل لمشاكلنا، لا أن نظل نغرس الخناجر في خاصرتها. نحن لم نهيئ لها أسباب الوقوف، بل شددنا الخناق حول عنقها بحبال أنانيتنا وصراعاتنا. إنها تحتضر، وإذا ماتت -لا قدّر الله- سنصبح جميعاً يتامى على مأدبة اللئام، بلا أم تحفظ كرامتنا، ولا بيت يلم شملنا، ولا قوت يسد رمقنا.

فمتى نستفيق من هذه السكرة؟ ومتى نصحو من غفلتنا المهلكة؟ ألم يمنحنا الله عقولاً لنتدبر عواقب أفعالنا؟

لقد طفح الكيل، وبلغ السيل الزبى.. خلافات تتلوها خلافات، وانقسامات تلد أخرى بلا طائل، وغياب تام ومفجع لروح الوطنية الصادقة. غدونا في تفاوضنا كمن يفاوض “بيجين” في تعنته؛ لا نتفق على مسألة إلا واختلقوا مائة عقدة وعقدة، في تسويف مميت يلغي اللقاءات ويهدم الآمال.

أنقذوها.. دعوها تقف على قدميها! أنظروا بعيون مفتوحة إلى ما يدور حولنا في الإقليم.. هل تظنون أنفسكم في حصانة من عوادي الزمن؟ هل تنتظرون سيلاً كـ “دانيال” يغرق الحرث والنسل؟ أم تريدون إعادة سيناريو “ملوك الطوائف” في الأندلس، حين تأمر الأخ على أخيه، واستنصر بالأعداء، فكانت النتيجة زوالهم وزوال دولهم وضياع مجدهم؟

إن أردتم حقاً: حماية جنوبنا المحتل: الذي تنهشه التغيرات الديمغرافية الممنهجة في القطرون وأم الأرانب وجالو وغيرها، حتى أصبحت مدناً لغير أهليها من الأفارقة، في زحف مستمر لن نستفيق منه إلا وقد ضاع الجنوب بالكامل، وحينها لن ينفع الندم.

القضاء على الفساد: هذا السرطان الذي استشرى ونخر عظام الدولة، ويهدد الكيان الليبي بالزوال التام.

إنهاء سطوة الميليشيات:

وإقامة دولة القانون والمؤسسات، التي تحميها بندقية الجيش الوطني والشرطة النظامية. هي حلمنا وأملنا الذي نرنو الى تحقيقه فعلينا وقف نهب الثروات: من نفط وذهب ويورانيوم، ووقف الاتجار بالبشر.

حل أزماتكم اليومية: من انعدام السيولة، وشح الخبز والوقود، وانقطاع الكهرباء.

فإن السبيل الأوحد لكل ذلك هو: دعوها تقف على قدميها!

أقسم بالله العظيم، لقد صرنا أضحوكة بين الأمم، وبات الخجل يعترينا حين نذكر أننا ليبيون. وصَدق فينا وصف المتنبي لضحالة تفكيرنا:

يا أمة ضحكت من جهلها الأمم

لقد انحدرت الأمور إلى قاع سحيق، وإن أخطر ما نخشاه هو أن ينفد صبر الشارع فتندلع الفوضى والدمار، وينتشر القتل والنهب والدمار كما حدث سابقاً، ليصدق علينا قول الشاعر:

إذا كان رأسُ المال عُمْرَك فاحترِزْ… عليه منَ التضييع في غير واجبِ

إن الخروج من هذا المأزق الزقاقي لا يتم إلا عبر طريق واحد، شرعي، ومحسوم بالحقائق الدستورية، ولا يجوز الحياد عنه إلا بانقلاب مدمر: إنه طريق الاستفتاء على الدستور والدستور فقط.

ومن الغريب أن يتجاهل المثقفون والسياسيون والإعلاميون الاطلاع على التشريعات النافذة، ويرددون هرطقات تخالف النصوص الدستورية القطعية، مما يزيد الطين بلة. فالاتفاق السياسي كان حلًا مؤقتًا ومرحلة انتقالية، وينادون بانتخابات لإنشاء مرحلة انتقالية رابعة!، وهذا لن يتأتى قانوناً إلا بإلغاء التعديل الدستوري التاسع الذي مدد للمجلس الحالي، وهو أمر يحتاج لنصاب وتوافق شبه مستحيل، وحتى لو تم، فلن يحل المعضلة.

لماذا تخافون من مشروع الدستور؟ الدستور ليس قرآناً منزلاً، بل هو تشريع بشري قابل للتعديل والإلغاء وفقاً للآليات القانونية والاستفتاء. وإذا كان القرآن الكريم، كلام الله، قد نُسخت منه آيات لمصلحة العباد، فكيف بدستور يضعه البشر؟

إن حالة المراوحة والتسويف والاعتماد على البعثة الاممية هذه لا تخدم إلا أعداء الوطن، وستقودنا حتماً إلى فوضى لا يُحمد عقباها فالمجاعة على الابواب ولنقارن وضعنا اليوم بوضعنا قبل عام

الخلاصة: إن حل الأزمة الليبية. لايكون الا من الليبيين وهو مرهون بمسار ثلاثي متلازم: الاستفتاء على الدستور، ثم الانتخابات البرلمانية والرئاسية بناءً عليه.

تتضافر الجهود لتحقيق هذا الهدف، بتكوين مؤسسات مجتمع مدني. تدعو للتصالح ورأب الصدع ومحاربة الفساد وتحارب كل من يصطاد في الماء العكر لمنع قيام الدولة.

اللهم اشهد، فقد بلغت.