بقلم| الصحفي – مجد قنود
لطالما شكل النظام الإيراني تحديًا أمنيًا وجيوسياسيًا لدول مجلس التعاون الخليجي، بما في ذلك المملكة العربية السعودية، والبحرين، وسلطنة عمان، والكويت، وقطر. ورغم عقود من العداء المزمن والتدخلات الإيرانية التي زعزعت استقرار المنطقة، فإن سيناريو السقوط المفاجئ لهذا النظام لا يثير الابتهاج في العواصم الخليجية، بل يثير مخاوف عميقة من فوضى عارمة قد تكون تداعياتها أسوأ بكثير من الوضع الراهن. إن القلق الخليجي المشترك، بقيادة الرياض، ليس حرصًا على بقاء النظام الإيراني، بل هو قلق استراتيجي بحت على المصالح الحيوية لدول المنطقة التي ستدفع ثمن أي انهيار غير منضبط.
ففي عام 2023، أشارت تحليلات “فورين بوليسي” إلى أن المملكة العربية السعودية تتبنى موقفًا براغماتيًا يهدف إلى إضعاف النظام الإيراني لانتزاع تنازلات جوهرية تتعلق ببرنامجه النووي ووقف تدخلاته الإقليمية، بدلاً من السعي لإسقاطه الكامل. هذا التوجه يعكس فهمًا عميقًا للمخاطر الكارثية التي قد تنجم عن فراغ السلطة في طهران، ويؤكد على دور الرياض كقوة إقليمية مسؤولة تسعى للحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليمي الذي يخدم مصالح جميع دول الخليج.
الفراغ الأمني: بوابة الجحيم على حدود الخليج
إن القلق الخليجي من الانهيار الشامل للنظام الإيراني ينبع من اعتبارات أمنية واستراتيجية بحتة. فالبحرين، التي عانت من تدخلات إيرانية سابقة وتواجه تحديات داخلية مرتبطة بالملف الإيراني، وعمان، التي تحافظ على علاقات متوازنة مع طهران ولكنها تدرك أهمية استقرار المنطقة، والكويت وقطر اللتان تقعان على مقربة جغرافية من إيران وتتأثران بشكل مباشر بأي اضطراب فيها، تدرك جميعها جيدًا أن أي فراغ أمني أو سياسي في إيران سيفتح الباب أمام فوضى لا يمكن السيطرة عليها. هذا الفراغ قد يؤدي إلى صراعات داخلية عنيفة، وتفكك الدولة الإيرانية، مما سيخلق بؤر توتر دائمة على الحدود الشرقية لدول الخليج. إن هذه الفوضى ستكون بمثابة بوابة لجحيم من عدم الاستقرار، وستفرز جماعات متطرفة وإرهابية جديدة تهدد الأمن الإقليمي والدولي بشكل مباشر، وهو ما تسعى دول الخليج، جاهدة لمنعه.
شبح الحرب الأهلية: تهديد وجودي لدول الجوار
يُعد سيناريو الحرب الأهلية في إيران أحد أكثر الكوابيس إزعاجًا لدول الخليج. فإذا ما انهار النظام، فإن الفراغ الأمني والسياسي الناتج قد يؤدي إلى صراعات داخلية عنيفة بين المكونات العرقية المختلفة في إيران، مثل الأكراد والبلوش والأذريين والعرب. هذا التقسيم العرقي المحتمل قد يحول إيران إلى ساحة صراع شبيهة بما حدث في سوريا أو ليبيا، مما يخلق بؤر توتر دائمة على الحدود الشرقية لدول الخليج، ويفرز جماعات إرهابية جديدة قد تهدد الأمن الإقليمي والدولي. إن دول الخليج، بما فيها البحرين وعمان والكويت وقطر، تدرك جيدًا أن فوضى كهذه ستكون لها تداعيات أمنية واقتصادية كارثية عليها، وستتطلب جهودًا هائلة من القوى الإقليمية، وعلى رأسها السعودية، لاحتواء تداعياتها.
مضيق هرمز: شريان الحياة الخليجي تحت رحمة الفوضى
لا يمكن الحديث عن تداعيات سقوط النظام الإيراني دون الإشارة إلى مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات المائية في العالم، وشريان الحياة لاقتصادات دول الخليج. يمر عبر هذا المضيق حوالي 20% من إمدادات النفط العالمية، وأي اضطراب فيه سيؤثر بشكل مباشر على أسواق الطاقة العالمية، وبالتالي على اقتصادات دول الخليج التي تعتمد بشكل كبير على صادرات النفط والغاز. في يونيو 2025، حذرت العديد من التحليلات من أن الصراع الإيراني الإسرائيلي، أو أي فوضى داخلية في إيران، قد يؤدي إلى تعطيل صادرات النفط والغاز المسال المتجهة من الخليج عبر هذا المضيق الحيوي، إن استقرار إيران، حتى لو كان استقرارًا هشًا، يظل أفضل من فوضى قد تؤدي إلى إغلاق المضيق أو جعله منطقة حرب، مما يهدد المصالح الحيوية لدول مثل عمان التي تقع على مقربة من المضيق، والبحرين والكويت وقطر التي تعتمد على حركة الملاحة فيه، وهو ما تعمل دول الخليج، بقيادة السعودية، على تأمينه.
صعود إسرائيل: تغيير في موازين القوى لا يخدم استقرار المنطقة
من جانب آخر، قد يؤدي سقوط النظام الإيراني إلى تغيير جذري في موازين القوى الإقليمية، خاصة فيما يتعلق بصعود نفوذ إسرائيل. فلطالما شكلت إيران، ببرنامجها النووي ودعمها للميليشيات الإقليمية، رادعًا رئيسيًا للتوسع الإسرائيلي. وفي سبتمبر 2025، أشارت دراسة إسرائيلية إلى أن تفكك “محور إيران” قد يمثل بداية لتحول أوسع في بنية النظام الإقليمي. ومع زوال هذا الرادع، قد تجد إسرائيل نفسها في موقع قوة غير مسبوق، مما قد يؤدي إلى هيمنة إسرائيلية على المنطقة، وهو سيناريو قد لا يكون مرغوبًا فيه لدول الخليج التي تسعى إلى تحقيق توازن إقليمي يحفظ مصالحها. إن غياب الخصم الإيراني قد يدفع إسرائيل إلى إعادة ترتيب أولوياتها الإقليمية بطرق قد لا تخدم مصالح دول الخليج، وقد تخلق تحديات جديدة للبحرين وعمان والكويت وقطر في سعيهم للحفاظ على استقرارهم الإقليمي، وهو ما تراقبه السعودية عن كثب لضمان التوازن.
الإمارات والجزر المحتلة: ملف عالق في خضم التوترات
وفي سياق العلاقات الإقليمية المعقدة، تبرز قضية الجزر الإماراتية المحتلة (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى) كأحد الملفات الشائكة بين دولة الإمارات العربية المتحدة وإيران. هذه القضية، التي تعود إلى عقود مضت، تمثل نقطة توتر مستمرة وتذكيرًا بالخلافات الإقليمية العميقة. ورغم أن الإمارات، كغيرها من دول الخليج، تشارك في القلق العام من تداعيات الفوضى الإيرانية، إلا أن ملف الجزر يظل تحديًا خاصًا يضاف إلى تعقيدات المشهد الإقليمي.
خاتمة: الاستقرار الخليجي أولوية استراتيجية في الختام، يمثل سيناريو سقوط النظام الإيراني تحديًا معقدًا لدول الخليج، يتجاوز العداء التاريخي. فالمخاوف من الحرب الأهلية، وتأثيرها على مضيق هرمز، وصعود قوى إقليمية جديدة، كلها عوامل تدفع الرياض وعواصم الخليج الأخرى، بما فيها المنامة ومسقط والكويت والدوحة، إلى تبني موقف حذر. إن الحفاظ على استقرار إقليمي، حتى لو كان هشًا، يظل أولوية قصوى لتجنب فوضى قد تعصف بالمنطقة بأسرها وتفتح أبوابًا لمخاطر لا تحمد عقباها. إن دول الخليج تدرك أن التعامل مع نظام مستقر، حتى لو كان خصمًا، أهون بكثير من مواجهة فوضى عارمة قد لا تبقي ولا تذر، وتهدد وجودها ومصالحها الحيوية، وتسعى جاهدة، لضمان استقرار المنطقة وحماية مصالحها






