بقلم | محمد غميم – كاتب سياسي
هو نفسه كان ضمن رجالات النظام، ولا أحد منا ينسى ما كتبه الثوار من تهديد على بيته زمن فبراير، ثم حين وصل إلى السلطة أطلق سراح أبناء القذافي، ودفع الكفالات، ومكّن رموز النظام داخل مؤسسات الدولة، وأزواج الراهبات في الوزارات.
وهو نفسه من يهاجم “العسكر” اليوم، بينما عقد معهم شراكات اقتصادية وسياسية، وتقاسم النفوذ تحت غطاء صفقات مشبوهة، وشركة أركنو قليل من كثير، أما صفقة بولس فكانت الكاشفة في فضح حالة التزاوج، وتعبّر عن تناقض مباشر مع خطابه المعلن، إن صحّ أن نسمّي هذا الهراء خطابًا.
وهو نفسه من يهاجم التيار الديني وما يسميه بالفتاوى المعلبة، في الوقت الذي يحتضنه داخل الهيئات، ويمكّنه ويضخ له الأموال بالملايين، في مشهد نفوذ معلن لا تنفيه الوقائع ولا تخفيه الشعارات، وما القبلة التي خُصّ بها أحد رموز هذا التيار على جبين كبير العائلة إلا إثباتًا منه للعرفان وتقديرًا للعطايا.
وهو نفسه من يرفع شعار “لا للإخوان”، بينما علاقته السياسية بهم قائمة، وتنسيقه مع قياداتهم حاضر في محطات مفصلية، من دعمه في حوار جنيف، إلى التلاقي بينه وبين من يصفه بالإخواني الذي ينتظر موته، بعد أن كانا سويًا يعملان في مكر الليل والنهار من أجل المساهمة في إفشال تمكين حكومة باشاغا من دخول العاصمة.
ثم يأتي اليوم ليعيد إنتاج خطاب الرفض…
لا للعسكر، لا للإخوان، لا للنظام السابق، وكأن الوقائع قابلة للمحو، أو أن الذاكرة العامة قصيرة.
كان المتوقع أن يبحث عن مخرج لتبرير صفقة بولس لأنصاره من تيار الإفتاء والإخوان الذين انقلبوا عليه.
ما يحدث ليس مراجعة مواقف، بل تخبّط للبحث عن وهم إعادة التموضع بعد أن أضاع كل شيء، ولم يبقَ أمامه إلا المغادرة النهائية.
فلم يستطع الرجل إخفاء انزعاجه ويأسه، فكرر كلمات الموت والرحيل وترك المنصب، بخطاب حاد في الظاهر وبراغماتية متناقضة في الواقع، في محاولة لتغطية حقائق باتت أوضح من أن تُخفى، خصوصًا مع ما كشفته تقارير دولية عن اختلالات عميقة وسرقات في إدارة المال العام والعبث بالموارد.






