بقلم| صالح المخزوم – أستاذ القانون الدستوري

ظنّ كثير من حكّام دول العالم الثالث، عبر عقود طويلة، أنّ رضى الدول القويّة عنهم ،وخصوصًا الولايات المتحدة الأمريكية، كفيلٌ بتأمين بقائهم في الحكم، وأن الشرعية الخارجية يمكن أن تُغني عن الشرعية الشعبية، فاختاروا أن يستثمروا في علاقاتهم وخيرات بلدانهم مع الدول الكبرى أكثر مما يستثمرون في أوطانهم، واطمأنّوا إلى الحماية السياسية والأمنية القادمة من الخارج، فلم يسعوا إلى توفير الحياة الحرة الكريمة لمواطنيهم، ولم يجعلوا من التعليم، والتنمية، والعدالة الاجتماعية، أولويات في سياساتهم العامة. فغاب البحث العلمي، والتنمية الحقيقية، وعمّ الفساد، وتآكلت الطبقات الوسطى، وتحولت الدولة إلى جهاز أمني ضخم، مهمته الأساسية حماية السلطة لا خدمة المجتمع.

    ومع مرور الوقت، افتقدت هذه الدول مقومات التطور والتحضّر، لا بسبب فقر الموارد، بل بسبب فقر الرؤية، إذ لا يمكن لأي دولة أن تلحق بركب الأمم المتقدمة، بينما تُدار بعقلية  الحكم المطلق، ومنطق الطاعة للخارج، وتُحاصر الحريات داخلياً باسم الاستقرار الأمني.

    المفارقة أن الحكّام الذين راهنوا على الخارج، لم يدركوا أن هذا الخارج نفسه لا يعرف صداقات دائمة، بل مصالح متغيرة، وعندما تتبدل المصالح، أو ترتفع كلفة الحماية، أو تظهر بدائل أكثر نفعًا، تقرر الدول العظمى التخلي عنهم، بل أحيانًا إنهاء أدوارهم بالكامل؛ تارةً باسم (دمقرطة) العالم، وتارةً باسم حماية الشعوب من جلّاديها، وتارةً لمعاقبة الحكّام على جرائهم ضد الإنسانية، وجرائهم الجنائية … الخ.     

      وحينها تحدث الصدمة الكبرى: لا يجد الحاكم الطاغية شعبًا يبكي عليه، ولا جماهير تخرج دفاعًا عنه، ولا ذاكرة جماعية تشعر بالخسارة.

     ولو أن هؤلاء الحكّام أدركوا أن الحماية الحقيقية لا تأتي من الخارج، بل من الداخل؛ من شعب متعلم، واعٍ، يشعر أن الدولة دولته، وأن النظام السياسي يعبر عنه، لكانت نهاياتهم مختلفة، فالعلم، والتحضّر، وتنمية الإنسان، وتحقيق العدالة الإجتماعيّة، هي وحدها التي تصنع شعوبًا تدافع عن أوطانها، وربما حتى عن حكّامها إن أخطأوا.

   ذلك أن الشعوب لا تحزن على من لم يحزن يومًا على معاناتها، ولا تدافع عمّن صادر كرامتها، ولا تحنّ إلى سلطة لم تعرف منها سوى القمع والإفقار والتهميش. فالعلاقة بين الحاكم والشعب، حين تُبنى على الخوف لا على الرضا، وعلى القهر لا على المشاركة، تكون علاقة هشة، تنهار عند أول اختبار حقيقي.

      إنّ الدول العظمى التي تحمي الطغاة في أوطانهم، وتُزيلهم عند الضرورة، لم تصل إلى مستويات التقدم ورفاه الشعوب، التي نراها اليوم، إلا لأنها بنت أنظمتها على احترام الإنسان، وتداول السلطة، وسيادة القانون.

    فاصبحت (عنترياتها) واستعراض قوتها، ليست ضد شعوبها، بل خارج الحدود . لأنهم فعلاً يستمدون شرعيتهم من شعوبهم. 

    أمّا محاولة استنساخ علاقتهم الخارجية دون استيعاب جوهر تجربتهم الداخلية، فليس سوى شكلٍ من أشكال الخداع السياسي.

     في النهاية، لا يسقط الطغاة فقط لأن القوى الكبرى قررت ذلك، بل لأنهم سقطوا قبلها في قلوب شعوبهم. ومن لا يملك شعبه، لا يملك شيئًا حين تُسحب عنه مظلة الخارج.