بعد مرور خمسة عشر عاماً على الإطاحة بمعمر القذافي، لا تزال ليبيا عالقة فيما يُسمى بـ”المرحلة الانتقالية” فالحكومات التي وُصفت بالمؤقتة أصبحت دائمة، والانتخابات تعد ثم تُؤجل، والمؤسسات التي انتهت ولايتها الديمقراطية منذ زمن طويل تستمر في ممارسة السلطة، الجماعات المسلحة أصبحت جهات فاعلة في الدولة، وأفراد العائلات أصبحوا قادة ووسطاء نفوذ، والمال العام يدعم نظاماً إنجازه الرئيسي هو بقاؤه.
يتجلى هذا العبث في حكومة الدبيبة، فقد شُكّلت كسلطة مؤقتة لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في ليبيا في ديسمبر 2021، لكنها لا تزال في السلطة في طرابلس حتى عام 2026، رغم أن تلك الانتخابات لم تُجرَ قط.
وفي الشرق، رسّخت مؤسسة سياسية أمنية أخرى نفوذها حول خليفة حفتر وعائلته والقوات الخاضعة لسيطرتهم.
تتغير أسماء الحكومات، وتُعاد صياغة الخطط، وتتأخر مواعيد الانتخابات، لكن من يمارسون السلطة يبقون. لقد حوّلت ليبيا الحكومة المؤقتة إلى نظام سياسي دائم: الجميع مؤقتون، لكن لا أحد يرحل.
لعلّ ذلك ليس من قبيل الصدفة فالانتخابات النزيهة تنطوي على تهديدٍ عميقٍ للطبقة السياسية في ليبيا، فالانتخابات تعني أن من يسيطرون اليوم على الوزارات والميزانيات والتشكيلات المسلحة والعقود وشبكات المحسوبية قد يجدون أنفسهم غداً بلا سلطة، فلماذا يُبادر المستفيدون من النظام القائم إلى بناء آليةٍ قادرةٍ على إزاحتهم؟
الدبيبة وحفتر ليسا حليفين ولا تزال مراكز القوى الشرقية والغربية تتنافس، ومع ذلك يكمن وراء هذا التنافس تقارب في المصالح، فالمؤسسة الغربية بحاجة إلى المال والحماية المسلحة والسيطرة على طرابلس؛ بينما تحتاج المؤسسة الشرقية إلى الوصول إلى الإيرادات الوطنية والشرعية الدولية، كما تحتاج الميليشيات إلى رواتب ونفوذ، وتحتاج شبكات الأعمال إلى عقود، ويحتاج السياسيون إلى مكاتب، وتحتاج العائلات المحيطة بالرجال النافذين إلى الوصول إلى الثروة، أما الحكومات الأجنبية فتريد النفط، والسيطرة على الهجرة، والتعاون في مكافحة الإرهاب، والاستقرار الكافي لحماية مصالحها.
لا حاجة إلى تحالف رسمي، فيكفي أن يستنتج الجميع أن استمرار النظام القائم أفضل من السماح للناخبين الليبيين بإسقاطه.
وتكمن المفارقة الأشد مرارة في المحسوبية، فقد انتفض الليبيون عام ٢٠١١ ضد نظام سياسي باتت فيه الدولة متداخلة مع القذافي وأبنائه والشبكات المحيطة بهم، ومع ذلك تركزت السلطة في شرق ليبيا بشكل متزايد ليس فقط حول خليفة حفتر، بل حول عائلة حفتر.
فقد ارتقى ابنه صدام حفتر ليصبح نائب قائد القوات الشرقية، ويمثل هذه المؤسسة دوليًا بشكل متزايد وبدلًا من بناء مؤسسات قادرة على الصمود في وجه خليفة حفتر، يُخاطر شرق ليبيا ببناء آلية لخلافة السلطة قادرة على إدامة نفوذ عائلته.
أما غرب ليبيا فقد شهد ظاهرة مختلفة، ولكنها مقلقة بنفس القدر من خلال النفوذ السياسي والتجاري المتزايد للشبكات المرتبطة بعائلة الدبيبة.





