سلامة الغويل – وزير الدولة للشؤون الاقتصادية بحكومة الدبيبة سابقا والرئيس الحالي لمجلس المنافسة ومنع الاحتكار

انسحابي المبكر.. قرار عن قناعة ومسار واضح

لم يكن انسحابي من الحكومة مجرد خطوة عابرة أو موقف احتجاجي، بل كان خيارًا واعيًا مبنيًا على قناعة راسخة بأن الاستمرار في حكومة بلا رؤية واضحة لن يؤدي إلا إلى مزيد من التخبط والفشل. كنت أول المنسحبين، ليس للهروب من المسؤولية، بل لمواجهتها بطرح بديل سياسي واقعي.

عندما وجدتُ أن الحكومة لا تسير وفق مسار مهني أو وطني حقيقي، قررتُ خوض المعركة السياسية بشكل مباشر، فأعلنتُ نفسي كمرشح في الانتخابات الرئاسية المقررة في نوفمبر 2021، مؤمنًا بأن التغيير يجب أن يكون عبر المسار الديمقراطي. كنت مستعدًا لمواجهة الجميع عبر صناديق الاقتراع، مؤمنًا بأن الحل ليس في الصمت أو التبعية، بل في تقديم مشروع وطني قادر على قيادة ليبيا إلى مرحلة جديدة من الاستقرار والإصلاح.

لكن عندما لم يُحترم هذا المسار، وأُغلقت أبواب الانتخابات، لم يكن أمامي سوى خيار آخر: الانسحاب الكامل، ليس إلى الظل، بل إلى مشروع بديل يقود التغيير الحقيقي. لم يكن خروجي من الحكومة استسلامًا، بل كان خطوة إلى الأمام نحو إعادة تعديل المسار، والعمل على أن أكون في مقدمة قيادة مشروع وطني جديد يضع مصلحة ليبيا فوق أي حسابات شخصية أو سياسية.

الضريبة التي دفعتها.. وسلوك من تقلبوا بين الولاءات

لم يكن قراري بلا ثمن، بل كان له تبعات عديدة، من حملات تشويه، إلى مواجهات مع خصوم لم يقبلوا فكرة أن شخصًا يمكن أن ينسحب بإرادته ليطرح رؤية جديدة. واجهت الحروب السياسية، وتعرضت لمحاولات العزل والتشويه، فقط لأنني رفضت أن أكون جزءًا من منظومة غير قادرة على الإصلاح.

ومن المؤسف أن بعض من كانوا يهللون لي عندما كنتُ داخل الحكومة، تحولوا بسرعة عند خروجي، بل وقفوا إلى جانب من عارضوني فقط لأنهم اعتقدوا أن مصلحتهم تقتضي ذلك. هؤلاء لم يكونوا سوى مرتزقة المناصب، الذين لا يملكون قناعات ثابتة، بل يتحركون وفق مصالحهم الضيقة، يصفقون عند الدخول، ويهاجمون عند الخروج. لكن هذا لن يغير من قناعتي، ولن يجعلني أتراجع عن المسار الذي اخترته بإرادتي.

ليبيا فيها رجال.. وليبيا تستحق مشروعًا وطنيًا حقيقيًا

رغم كل ما حدث، ورغم الخيانات السياسية وتقلبات الولاءات، إلا أنني ما زلت مؤمنًا بأن ليبيا فيها رجال أحرار، فيها وطنيون حقيقيون، فيها عقلاء يدركون أن البلد لا يمكن أن يُدار بالمصالح الشخصية الضيقة أو بالتحالفات الهشة. لهذا، لا يمكن لأي هجوم أو تشويه أن يجعلني أتراجع عن موقفي، بل يزيدني إصرارًا على مواصلة العمل.

التاريخ لا يُكتب بالصوت العالي أو بالمؤامرات، بل يُكتب بالحقائق، بالأدلة، بالوقائع. وسيأتي اليوم الذي يتم فيه توثيق كل شيء، حيث سيتم الحديث عن مواقف الأشخاص، سواء كانوا مسؤولين أو شخصيات عامة، إيجابيين كانوا أم سلبيين، بكل إنصاف ووضوح.

الرهان على المستقبل.. وليس على الماضي

اليوم، لا أنظر إلى الوراء، بل أواصل العمل من أجل المستقبل. اخترت هذا الطريق، وأنا مقتنع بأنه المسار الصحيح، رغم الصعوبات ورغم التحديات. القيادة ليست مجرد منصب، بل هي مسؤولية، وهي التزام تجاه الوطن. وما زلت أعمل على بناء هذا المشروع، لأنني أؤمن أن ليبيا تستحق قيادة حقيقية، مشروعًا وطنيًا واضحًا، بعيدًا عن المصالح الضيقة والأجندات الشخصية.

لقد خضت التجربة، ودفعت ثمن موقفي، لكنني لم أندم. لأنني اخترت أن أكون واضحًا مع نفسي ومع وطني، ولم أسمح لنفسي أن أكون جزءًا من منظومة لا تخدم ليبيا. وسأستمر في العمل، وسأظل متمسكًا بقناعتي، لأنني أؤمن أن الإصلاح الحقيقي لا يأتي بالتبعية، بل بالمواجهة والوضوح والعمل الجاد.