فتحي باشاغا – رئيس الحكومة الليبية السابق

6 سنوات مضت على لحظة الاصطفاف الوطني دفاعًا عن طرابلس وأرواح المدنيين في وجه آلة الموت والدمار وفرض الحكم بالقوة؛ نستحضر فيها أرواح الشهداء ونتضرع بالرحمة لمن قضى في تلك الملحمة الوطنية، التي تمثل رفضا قاطعا للحكم بوسائل القوة وعسكرة الدولة، وتطلعا لبناء دولة مدنية عادلة تحكمها المؤسسات ويُصان فيها القانون ويستفيد من خيراتها جميع الليبيين.

لكن اليوم -وبعد كل تلك التضحيات- تكاد ليبيا تبتلعها نيران الحديد، ليغيب صوت الدولة وسط صخب البنادق، ويصبح القرار السياسي في مؤسساتنا رهينًا لتوازنات قوى الأمر الواقع التي تتقاسم النفوذ، فتُعقد الصفقات على مواردنا النفطية، وتُنهب خزائن المال العام جهارًا نهارًا، وتُرتكب الانتهاكات الحقوقية تحت غطاء من مؤسسات السلطة ذاتها، مما يفاقم أزمة فقدان المواطن قيمته داخل الوطن وخارجه.

إن هذا الاستقرار السياسي الهش، الذي يحاول البعض تجييره كإنجاز سياسي، هو في حقيقته نتاج التوافقات الدولية التي أبرمت في مؤتمر برلين بعد الحرب، ثم ثمرة جهد مؤسساتي أنتج اتفاق تونس-جنيف، قبل أن ينهار محليًا بفعل الانتهازية السياسية، مما أسهم في تآكل وتفكك الدولة وتراجع حلمها في الوحدة والاستقرار.

إن استحضار هذه الذكرى يجب أن يتجاوز مجرد الحديث عن الماضي ليُقترن بمراجعة شاملة للمسار السياسي وتقييم دقيق للواقع ورؤية استشرافية تتجاوز الانقسامات الضيقة، بحثا عن المشتركات وترسيخا للمصالح الوطنية مع ضرورة إدراك المتغيرات الدولية التي تؤثر على الشأن الليبي، فالدولة التي يطمح إليها الشرفاء لم تُبنَ بعد، وبناؤها يتطلب مسؤولية وطنية صادقة وإرادة قوية وإصلاحات جذرية، ولن نسمح بأن يظل مستقبل ليبيا مرهونًا بمعادلات الفوضى التي تهدد استقرارها ومستقبلها.