الطاهر الجهيمي – محافظ مصرف ليبيا المركزي الأسبق
ما هو مستقبل قيمة الدينار الليبي نسبة الى الدولار ؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه الكثير من الليبيين هذه الأيام .بعضهم يطرح السؤال بلهفة ، والكل يتساءل يا ترى هل ستشهد الأسابيع و الأشهر القادمة انخفاضا فى القيمة النسبية للدينار ؟ وهم عند طرحهم لهذا السؤال الكبير يطلبون جوابا فى كلمة واحدة : نعم أو لا . طبعا بعد نعم أو لا عندهم أسئلة أخري.
الاقتصاديون عادة لا يعطون جوابا واضحا أو قاطعا لأنهم تأثروا بدراستهم لنظرية الإحتمالات إلّا بعد دراسات معمّقة . لذلك فى هذا المنشور لا توجد نعم أو لا ، وإنما توجد : هذا أكثر إحتمالا من ذاك . خاصة إذا كنا نتكلم عن المدى المتوسط أو المدى الطويل .
ولكن باختصار شديد ، يمكن القول بأنه إذا استمرّت الظروف و الإتجاهات السائدة اليوم فإن مستقبل قيمة الدينار غير مطمئن .
لا تلوموا المصرف المركزي على ما أنتم فيه . فالمصرف المركزي ما هو إلا يد واحدة واليد الواحدة لا تصفّق . بل لوموا من يضعكم فى هذا الواقع السياسي و الاقتصادي غير المطمئن .
لا تدعوا ايرادات النفط تخدعكم وأنها ستأتي لنجدتكم .فهي أصبحت تكاد تكون عامل محايد . كيف ذلك ؟ هذه الإيرادات لن ترتفع كثيرا إذا ارتفعت ولن تنخفض كثيرا إذا انخفضت ،هذا على الأقل فى المستقبل المنظور . لماذا ؟ لأن ملوك النفط ( السعودية و امريكا )ملتزمون بسياسة ” استقرار سوق النفط “
ليس من مصلحة السعودية ان ترتفع أسعار النفط كثيرا لأسباب سياسية ، وليس من مصلحة امريكا ان يحدث هذا لأسباب اقتصادية ( انتقال الثروة إلى الخارج ) .
وبالمثل ليس من مصلحة السعودية ان تنخفض أسعار النفط كثيرا لأسباب تتعلّق بالميزانية .كذلك ليس من مصلحة امريكا ان يحدث هذا لأن فيه إضرار بمصالح الشركات الأمريكية النافذة ( قالها كيسنجر منذ أوائل السبعينيات ).
ولا تطمئنوا كثيرا إلى احتياطيات المصرف المركزي وهي وفيرة؛ فهي مهما كبُرت يمكن ان تتناقص بسرعة .
الحل الذي أراه هو الإصلاح الاقتصادي الكامل و الشامل . إصلاح تشترك فى تنفيذه كل أدوات و مؤسسات الدولة وخاصة المؤسسات الاقتصادية و المالية .
هنا لابد من ملاحظتين:
الأولى هي أن إهمال المشكلة أو تأجيل العمل على معالجتها لن يزيد المشكلة إلا سوءا ويجعلها أصعب حلا .
والثانية هي أن النتائج الإيجابية للإصلاح الاقتصادي لا تأتي بسرعة وإنما تأخذ وقتا بحسب ما يحيط بها من ظروف .
هل أنا متفائل ؟
لا ، أنا متشائل . عندي شيئ من التشائم وعندي شيئ من التفائل . لماذا ؟ لأن الإصلاح الإقتصادي عمل جراحي ومؤلم ، خاصة للفئات الاجتماعية الفقيرة و المتوسطة ، لذلك لاتقدر عليه إلا الحكومات القوّية المستقرّة التي تملك صلاحيات دعنا نقول واقعيا شبه دكتاتورية .
لنرى ..