ليبيا سفينة عظيمة في حجمها وإمكانياتها وقوتها وقدرتها، بيد أنها تُبحر دون رُبّان في بحر لُجي أمواجه كالجبال، فترى المشرع يصيح في وادٍ سحيق، وترى الحكومة حكومات فلا هي حكمت ولا هي رحلت ولا هي نجحت، اللهم إلا في إدارة الصراع تلو الصراع.
محافظ يحاول أن يُحافظ على المال ولا يعرف من يتبع ولا يدري ما المآل مع استمرار هذا الحال الذي ليس له مثيل حتى في الخيال، ضريبةٌ تُلغى وأُخرى تُلقى، ميزانية تُعمل وأخرى تُهمل، وقوانين تغيب تارةً وتحضر غارة، ورُكّاب السفينة يسبحون تيهاً ويسبّحون يقيناً بدنو الهلاك ولا يعلمون إلى أين هُم ذاهبون، حتى فقدوا الأمل في النجاة، ولجؤوا للانتحار برغبتهم، هروباً من خوف انتظار الموت دون إرادتهم.
قيل لنا حين دراسة القانون أن للدولة أركان ثلاث شعب ونظام وإقليم، فلا الشعب يسير على صراط مستقيم، وليس ثمة نظام واحد موحد قويم، والإقليم صار أقاليم مقسوم على ستة وستين وربما يزيد انقساماً كل حين وحين.
رياح سياسية صرصرٌ عاتية تجتاح العالم بأسره، و إعصار إقليمي يقتلع غابات السودان ويسير نحو الصومال وأحجار من السماء كأنها شهب حارقة تضرب جبال اليمن، و ترى القاهرة متربصة والرياض مستنفرة وباقي الدول المستقرة تدرس وتحسب وتجمع وتطرح وتتحين التوقيت لتوجيه اتجاه البوصلة نحو تحقيق أهدافها التي تضمن وجودها واستقرارها وازدهارها.
أما ليبيا فقد تسير من فوقها تلك العواصف والرياح وقد تنفجر في جبالها السوداء براكين خامدة، ليست في الحسبان كونها بلاد متأثرة بما حولها وقد يتم توظيفها واستغلالها بين المتصارعين وحين احتدام النزاع تضيق علينا الخيارات وتنعدم أمامنا الاختيارات، حيث تتقاطع وتتناقض المصالح والاعتبارات الجيوسياسية واعتبارات الحدود المشتركة جغرافياً، وتحالفات سياسية وعسكرية قديمة وعميقة تتنافر مصالحها مع الاعتبارات الأولى، فتكون العواقب وخيمة حينما تُدار هكذا أزمات دون وجود دولة قائمة موحدة بدواليبها وأرشيفها وسياساتها العامة وخبراتها ومخابراتها ونُخبة أبنائها الذين يجمعون الولاء لأوطانهم و الكفاءة و التجربة.
أخيراً.. الدولة سيزيد ضعفها أكثر وأكثر، وقوة الأقطاب الحاكمة فعلياً تزيد كل يوم أكثر وأكثر، تلك الأقطاب والأطراف تمتلك مالاً وسلاحاً وإعلاماً تتفوق على ما تمتلكه مؤسسة الدولة.
ومن ثم فلا عجب أن تكون السيولة النقدية لدى المصارف شحيحة ولدى التجار وفيرة، ويكون المسدس زاد الشرطي النظامي، والمدافع الثقيلة تزداد ثقلاً لدى غير النظامي، وهذه الحالة ظاهرة وواضحة لا جدال في حقيقتها، ومن ثم فإن النتيجة المترتبة على ذلك أن ليبيا بلا شك ينطبق عليها وصف ( الدولة الفاشلة ) وهذا أمر جيد متى اتفقنا عليه ولم ننكر وجوده، فأول مرحلة للعلاج هو الاعتراف بالمرض أما إنكار مريض السكري لمرضه وتهافته على السكريات دون حد، فالأكيد أن أول جرح يصيب جسده سيؤدي إلى الغرغرينا التي يترتب عنها البتر، عضواً تلو العضو حتى الموت، و ليبيا مريضة وبحاجة إلى العلاج قبل تعرضها لجروح سياسية غائرة ليس لجسدها المريض قوة على احتمالها.






