بقلم | عثمان الحضيري – خبير قانوني في مجال النفط

قرات كما قرأ غيري خبرا يفيد أن المصرف الخارجي الليبي ( عزمه ) منح قرض بقيمة مليار دولار للمؤسسة الوطنية للنفط، بهدف تنفيذ مشروعات متوقفة في القطاع. وبين الترحيب الحذر والقلق المشروع، يطرح هذا القرار أسئلة جوهرية حول الأثر المتوقع، وجدوى الاقتراض، وضمانات حسن الإنفاق والتنفيذ في بلد أُهدرت فيه مليارات الدولارات سابقًا دون نتائج ملموسة من ذات الإدارة الحالية وسابقاتها .

أولًا: أهمية القرار في سياقه الاقتصادي

لا خلاف على أن قطاع النفط يمثل العمود الفقري للاقتصاد الليبي، وأن استمرار التوقفات الفنية وتدهور البنية التحتية يكبد الدولة خسائر فادحة يوميًا. من هذا المنطلق، فإن ضخ تمويل موجه لإعادة تشغيل الحقول والموانئ والخطوط قد يسهم في:
رفع القدرة الإنتاجية ، تقليل التوقفات غير المبرمجة، زيادة الإيرادات العامة وتحسين الاستقرار المالي.

لكن هذه النتائج تبقى مجرد احتمالية مشروطة بحسن الإدارة والرقابة، وليست مضمونة بمجرد توفير التمويل.

ثانيًا: هل المؤسسة الوطنية للنفط مؤهلة لإدارة القرض؟

تمتلك المؤسسة الوطنية للنفط نظريا خبرة فنية طويلة وكوادر متخصصة، ما يجعلها مؤهلة من الناحية التشغيلية لتنفيذ مشروعات معقدة. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الجانب الفني، بل في:
ضعف منظومات الحوكمة والشفافية.
غياب الإفصاح التفصيلي عن أوجه صرف ميزانيات سابقة.
وتضارب الصلاحيات بين الجهات التنفيذية.
و@الاعتماد المتكرر على آليات إنفاق استثنائية وطارئة.

وعليه، فإن الجدارة الفنية لا تكفي وحدها لتبرير الاقتراض، ما لم تُدعّم بإصلاح إداري ومحاسبي حقيقي.

ثالثًا: كيف نمنع تكرار سيناريو الهدر؟

إن ضمان إنفاق القرض بطريقة سليمة يتطلب الانتقال من منطق “حسن النوايا” إلى منطق الضوابط الملزمة، وأهمها:

  1. تخصيص القرض لمشروعات محددة ومعلنة، بجدول زمني ومؤشرات أداء واضحة.
  2. إدارة القرض عبر حساب مستقل بعيدًا عن الميزانية العامة والمصروفات الجارية.
  3. إخضاع الصرف لرقابة خارجية مستقلة، مع نشر تقارير دورية للرأي العام.
  4. الصرف على مراحل مرتبطة بتحقيق نتائج فعلية.
  5. الالتزام الصارم بالمناقصات ( من خلال لجان العطاءات التى تعمل باستقلالية تامه ) والحد من التعاقدات الطارئة والتكليف المباشر العبثي

رابعًا: رسالة إلى المصرف الخارجي الليبي

المصرف الخارجي، بوصفه مؤسسة وطنية مسؤولة عن حماية المال العام، مدعو للتعامل مع هذا القرض باعتباره استثمارًا واجب الحماية لا دعمًا غير مشروط. ففرض شروط صارمة لا يعني عدم الثقة، بل يعكس حرصًا على نجاح المشروع وضمان استرداد الأموال.

خامسًا: شروط عادلة وضرورية لسداد القرض

من المهم أن يرتبط سداد القرض بـ:
• تخصيص جزء من الزيادة الفعلية في الإنتاج النفطي لسداد الأقساط.
• عدم تحميل الخزانة العامة أعباء إضافية.
• وجود ضمانات واضحة، وحق للمصرف في التدخل عند التعثر أو الانحراف عن الأهداف.

وفي نهاية مقالي

إن قرض المليار دولار قد يكون فرصة حقيقية لإعادة إنعاش قطاع النفط، لكنه قد يتحول إلى عبء جديد إذا أُدير بذات الأساليب التي أهدرت مليارات سابقة. المطلوب اليوم ليس مزيدًا من الأموال، بل مزيدًا من الانضباط، والشفافية، والمساءلة. فالثقة لا تُمنح، بل تُبنى، والاقتراض دون إصلاح هو تأجيل للأزمة لا حل لها.