المصرف المركزي كالعادة وجد نفسه برغم توحيده الشكلي أمام وجود فعلي لحكومتين لديهما ترتيبات ومتطلبات إنفاق حكومي تيسيري واستثماري لكل منهما دون إطار عام في شكل ميزانية واحدة يمكن أن تضبط الإنفاق العام وتعزز من الرقابة وتضبط أوضاع المالية العامة للدولة الليبية وتساهم في الحد من اتساع حجم النقود بالاقتصاد بما لا يتناسب والقدرة الاستيعابية للاقتصاد الليبي والذي تسبب فيها الانفلات في الانفاق في غياب الرقابة والموازنة المنظمة وبما يعزز من قدرة المصرف المركزي على الدفاع عن قيمة العملة الوطنية والسيطرة على التضخم بشكل منظم عبر آلياته المعروفة.
المعروف أن المصرف المركزي قدم تسهيلات لكل من الحكومتين في غياب إطار موحد أو حتى إطار لكل حكومة على حدى، وله مبرراته ولكنه لم يفرض معالجة شاملة للانفلات التمويلي الحكومي برغم دوره المالي الذي قام به ولازال يقوم به، فحتى اجتماعات إدارة الانفاق العام التي كانت برعاية أمريكية ودولية لم تنتج أي شيء واقعي لضبط الأوضاع المالية والنقدية المرتبكة بليبيا وكان الهم الأساسي هو ادارة النقد الاجنبي وتعزيز الشفافية حول عملياته على الأغراض المختلفة، ولكنها ظلت بعيدة المنال لتنظيم وادارة ايرادات مبيعات النفط والغاز، وانعدمت شفافيتها وضاعت خيوط إدارة عمليات تحصيل الإيرادات بين المؤسسة الوطنية للنفط والمصرف الليبي الخارجي ومصرف ليبيا المركزي.
المطالبة بتوحيد الميزانية وإقرار ميزانية موحدة مقسمة بين الحكومتين برغم أن الوقت قد تأخر كثيرا في اقرارها وحتى الالتزام بها كون أن المعضلة ليست فقط في ضبط الانفاق فقط بل في ضبط وانسيابية وشفافية الإيرادات حتى وصولها للمصرف المركزي.
في تقديري أن إقرار ميزانية شكلية قد تساعد المصرف المركزي في ضبط الانفاق العام وتساعده على تحديد مدي قدرته على الاستجابة في ظل تمدد عرض النقود وتوسعه دون وجود أدوات نقدية قادرة على تعقيم السيولة أو حتى التدخل لكبح التضخم الذي تسبب فيه الانفاق المفرط والاستيراد الواسع لكل شي ومع ذلك لن تكون كافية في ظل رغبة الحكومتين المتزايد نحو الانفاق بدون قيود، فالوضع ملائم جدا للجميع، اضغط على المصرف المركزي وهو يدبر رأسه ويحلها من عنده، يوفر سيولة نقدية أو يقيد أموال الكترونية.
الدفع بأن على المصرف المركزي أن يقلص من عرض النقود قد يكون غير واقعي وغير فعال في ظل حالة الاشتباك والارتباك المالي والنقدي وتعطل أدوات ادارة السياسة النقدية بفعالية وعدم التنسيق مع الحكومات لتطوير آليات السياسة التجارية وسبل كبح جماح الاستيراد المفرط بليبيا وعدم استخدام أدوات السياسة المالية وتوجيه سياسات استثمارية لتحفيز الطلب الفعال الاستثماري والذي يقود إلى استيعاب فائض عرض النقود بدلا من تركزه في الضغط بالطلب على العملة الأجنبية بشكل كبير وتحفز الطلب الفعال الاستثماري التنموي وليس الانفاق الاستهلاكي.
المعضلة أن المصرف المركزي يبدي دائما استعداده لتمويل الإنفاق الحكومي المنفلت للحكومتين بمختلف الصور والأشكال ودون أي إطار مرسوم أو متفق عليه بشكل طوعي أو رسمي مناسب أحيانا أخرى، ويلجأ في كل مرة إلى استخدام الأداة المتاحة له عبر التمويل بالعجز مما يسهم في الضغط على الاحتياطات من النقد الأجنبي، في غياب أدوات مصاحبة ومساندة أخرى ضرورية تعيد الاستقرار لعرض النقود وتقوي من قدرة المصرف المركزي في الدفاع عن قيمة العملة المحلية في ظل استنفار السوق الموازي والذي يتعامل مع أدوات المصرف المركزي في عرض النقد الأجنبي بمقدرة عالية جدا في المضاربة وإدارة سوق النقد بمعزل عن المصرف المركزي صاحب اليد الطولي المفترضة، ولكنها يد مقيدة ومحدودة القدرة والتي يفترض أن يعول عليها أن تفرض استقرار اقتصادي و نقدي كانت ولازالت دائما علي رأس أولويات مهام المصرف المركزي.
القبول بأنصاف الحلول أمر لا يمكن أن يعيد التوازن ولا يمكن أن يبني اقتصاد، فالدفع بفرض ضريبة جديدة على مبيعات النقد الأجنبي لا يقلص عرض النقود ولكن يوفر تمويلا إضافيا للحكومات القائمة وفي أحسن الاحوال يستخدم لسد عجز التمويل الحكومي والذي سيترتب عليه زيادة عرض النقود بسبب زيادة خلقها وهو الوضع الأنسب للحكومات المتنازعة على كل شيء، ويفتح مزيدا من شهية المضاربين بالدولار باعتباره سلعة ويشجعهم لتحقيق أقصى درجات الاستفادة من هذا الارتباك الاقتصادي والسياسي المتحرك على صفيح ساخن يعمق من تردي الوضع المالي للدولة الليبية ويجعل المصرف المركزي بين مطرقة وسندان يفقد فيها قدرته شيئا فشيئا علي تحقيق الاستدامة وإدارة السياسة النقدية بفعالية والمساهمة في تحقيق استقرار الاقتصاد.