بقلم | المحلل للشأن العام الليبي – عمر رحومة
ما يجري اليوم في المنطقة لا يمكن قراءته فقط بمنطق التحالفات التقليدية، بل بمنطق تبدّل الأدوار وتغيير أدوات النفوذ.
القوة تتقدّم، والسياسة تتراجع، والأمن بات المدخل الأساسي لإدارة الأزمات.
في هذا السياق، يبرز الدور السعودي–الباكستاني كلاعبين جديدين وفاعلين في معادلة إقليمية يعاد تشكيلها بهدوء، لكن بقرارات حاسمة.
السعودية: من التمويل إلى الحسم
توقيع الاتفاقية الاستراتيجية للدفاع المشترك بين السعودية وباكستان في 17 سبتمبر 2025 بالرياض شكّل نقطة تحوّل واضحة.
الاتفاقية شملت:
• تعزيز التعاون العسكري
• تبادل المعلومات الاستخباراتية
• التدريب المشترك
• رفع مستوى الردع في مواجهة التهديدات الإقليمية
وهي رسالة مباشرة بأن السعودية لم تعد تكتفي بدور القوة الناعمة أو الداعم المالي، بل انتقلت إلى تنويع أدواتها الأمنية وبناء شراكات عسكرية فاعلة.
هذا التحوّل تجسّد بوضوح في الضربات الجوية السعودية على ميناء المكلا في اليمن، التي حملت دلالات استراتيجية:
• رفض أي وجود أو تدخل خارجي غير مشروع
• منع استخدام الموانئ كمنصات تهديد
• تأكيد أن أمن المملكة يُحمى بالقوة عند الضرورة
هنا، ظهرت السعودية كقوة قادرة على الحسم، لا مجرد وسيط أو ممول.
باكستان: نموذج القوة المنضبطة
في الإطار نفسه، جاءت زيارة قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير إلى مدينة بنغازي في 17 ديسمبر (كانون الأول) 2025، حيث التقى القائد العام للقوات المسلحة العربية الليبية المشير خليفة حفتر، بحضور نائبه صدام حفتر.
الزيارة، وهي الأولى من نوعها لمسؤول عسكري باكستاني رفيع المستوى إلى ليبيا، استمرت يومين، وشملت لقاءات موسعة مع قيادة “القيادة العامة”، وأسفرت عن توقيع اتفاقية تعاون عسكري مشترك تضمنت:
• التدريب العسكري
• التصنيع الدفاعي
• تبادل الخبرات
• التعاون الفني والأمني
هذه الخطوة لم تكن مفاجئة، بل جاءت امتدادًا لمسار متدرج من التنسيق بدأ بزيارة صدام حفتر إلى إسلام آباد في يوليو 2025، ما يؤكد انتقال العلاقة من التواصل إلى الشراكة الأمنية المنظمة.
باكستان، في هذا المشهد، لا تسعى إلى نفوذ سياسي مباشر، بل تقدّم نموذجًا أمنيًا جاهزًا:
جيش قوي، حضور منضبط، ودور عسكري واضح دون تدخل سياسي علني.
وهو نموذج مغرٍ في البيئات المنقسمة، لكنه يدير الأزمة ولا يحلّها.
من اليمن إلى ليبيا… إدارة لا حسم
التحركات السعودية في اليمن، والتنسيق الباكستاني في ليبيا، لا يمكن فصلها عن السياق الإقليمي الأوسع، ولا عن العلاقة الاستراتيجية بين واشنطن والرياض.
نحن أمام مرحلة تُدار فيها المنطقة أمنيًا قبل أن تُبنى سياسيًا.
في ليبيا تحديدًا، لا يُطرح سؤال من يحكم، بل سؤال كيف لا تنفلت.
ولهذا تُدار الساحة الليبية بمنطق تعدد اللاعبين داخل سقف واحد:
• مصر: ضامن أمني وحدودي في الشرق
• تركيا: نفوذ عسكري وسياسي في الغرب
• السعودية: تمويل، غطاء سياسي، وضبط إيقاع إقليمي
• باكستان: قوة عسكرية منضبطة، قابلة للاستخدام والتراجع
الهدف ليس الحسم، بل منع أي طرف من تحقيق نصر كامل.
ليبيا: ساحة توازن لا مشروع دولة
في هذا السياق، لا تزال ليبيا تُدار كساحة توازن، لا كمشروع دولة.
التداول فيها ليس تداول سلطة، بل تداول نفوذ.
من يدخلها، يدخل بحسابات إقليمية.
ومن يتحرك فيها، يتحرك ضمن سقف دولي معلوم.
مستقبل ليبيا لا يمكن أن يُصنع بالقوة وحدها، ولا عبر الوكلاء، ولا باستنساخ نماذج جاهزة من الخارج.
الدولة لا تولد من الاستقرار المفروض، بل من توافق وطني حقيقي يقوم على:
• عقد اجتماعي جامع
• مؤسسة عسكرية وطنية خاضعة للسلطة المدنية
اقتصاد يخدم الاستقرار لا الانقسام
وإلى أن يتحقق ذلك، ستظل ليبيا ساحة مفتوحة لتوازنات الآخرين…
لا مشروعًا مكتملًا لأبنائها.
أما الرهان على منطق “الأمن قبل الدولة”، فلن يفضي إلا إلى تهدئة مؤقتة، قد تُدار لسنوات، لكنها تظل هشة وقابلة للانفجار عند أول اختلال في ميزان القوة.






