أسوأ ما يمكن أن يصيب أي اقتصاد ليس ارتفاع الأسعار بحد ذاته، بل تحول الخوف إلى سلوك عام. وما يحدث اليوم في سوق الصرف الليبي يعكس هذا التحول بوضوح. فالدولار لم يعد يرتفع لأنه نادر، بل لأن الدينار لم يعد ملاذًا آمنًا حتى لأصحابه.
بلوغ الدولار 10.28 دينار بالصك، وتجاوزه 9 دينار نقدًا، ليس مجرد تباين في أدوات الدفع، بل رسالة صريحة من السوق مفادها أن الثقة تتآكل، وأن الفجوة لم تعد فنية أو ظرفية، بل تعبير عن قلق عميق من مستقبل العملة والسياسة النقدية معًا.
في مثل هذه اللحظات، لا تتحرك الأسواق بمنطق الأرقام، بل بمنطق التوقعات.
وعندما يُكسر الحاجز النفسي للعشرة، يدخل الاقتصاد مرحلة أكثر خطورة، حيث يتحول الدولار من أداة للتجارة إلى أداة للادخار والخوف، ويتحول التسعير من كونه انعكاسًا للواقع إلى وقاية من الأسوأ. عندها، تسبق الشائعاتُ القرارات، وتسبق المخاوفُ أي تدخل حكومي.
الفرق بين 9 و10 دنانير ليس فارقًا حسابيًا، بل إعلان غير مكتوب بانكسار الثقة.
ومع استمرار صعود سعر الصك، يصبح التحاق الكاش به أمرًا شبه حتمي، لأن السوق يدرك أن الانقسام النقدي ليس سوى انعكاس لفشل أعمق في إدارة الدولة، لا مجرد خلل في السيولة.
وهنا لا يمكن فصل أزمة الصرف عن الأزمة السياسية، فنحن أمام حكومة وُلدت ضعيفة، واستمرت أضعف، واختارت أن تدير المشهد بمنطق شراء الولاءات وإفساد الذمم بدل بناء مؤسسات قادرة على الصمود. حكومة قرّبت المصفقين وأبعدت الكفاءات، فكانت النتيجة قرارات مرتجلة، وسياسات مالية بلا رؤية، وعجز كامل عن بث أي قدر من الطمأنينة في السوق.
وفي ظل هذا الفراغ، تغولت الميليشيات، فلم تعد خطرًا أمنيًا فقط، بل أصبحت عاملًا اقتصاديًا ضاغطًا، يفرض مناخًا من الفوضى، ويقوض كل محاولة للمؤسسة المصرفية لخلق أي استقرار نقدي أو مالي فالسوق لا يثق بعملة تصدر عن دولة لا تحتكر السلاح، ولا القرار، ولا حتى حدودها الاقتصادية
التجارب الدولية لا تكذب
لبنان، الأرجنتين، فنزويلا… جميعها تجاهلت لحظة دخول العملة خانة العشرات، وتعاملت معها كعارض مؤقت، قبل أن تتحول إلى انفجارات سعرية متسارعة خرجت عن السيطرة، ودفعت المجتمعات إلى الهروب الجماعي من العملة الوطنية.
ما نعيشه اليوم في ليبيا ليس حالة استثنائية، بل مرحلة إنذار مبكر؛ فحين تفشل السلطة في فرض الانضباط، ويُدار الاقتصاد بالترضيات، وتُترك الدولة رهينة للفوضى المسلحة، تصبح العملة أول الضحايا… وما بعدها أشد قسوة.






