حين يصل سعر الدولار إلى 7.45 دينار، فهذه ليست أزمة سوق، ولا مفاجأة مالية، بل قرار سياسي غير معلن:
لأن الدولة اختارت أن تُحمّل ثمن فشلها من جيوب الناس، بدل أن تواجه مصادر النهب الحقيقي لثروة البلاد.
إضعاف الدينار لا يحدث صدفة، بل يُستخدم كأداة سهلة، سريعة، وقليلة الكلفة على أصحاب القرار، وكبيرة الكلفة على المواطن.

كل انخفاض في قيمة الدينار يعني اقتطاعًا مباشرًا من راتب الموظف، ومن قوت العائلة، ومن قدرة الناس على الحياة، دون تصويت، ودون قانون، ودون مساءلة.

** الدولة حين تفشل… تدفع الفاتورة للشعب
بدل أن تُغلق أبواب الهدر، وبدل أن توقف النزيف المفتوح في المال العام، وبدل أن تواجه شبكات الفساد التي تبتلع المليارات، اختارت الدولة الطريق الأسهل:
إضعاف العملة، فرض الأمر الواقع، وترك السوق يعاقب المواطن نيابة عنها.
الحديث عن “إصلاحات” و”توازنات” لا يعدو كونه غطاءً لغويًا لسياسة واحدة:
ادفعوا أنتم ثمن عجزنا.

** رهان الضرائب سقط… لكن العقلية بقيت
محاولة الحكومة الاستحواذ على فروقات سعر الصرف عبر الضرائب والرسوم سقطت سياسيًا، بعد أن نجح مجلس النواب في إبقاء هذه الورقة بيد مصرف ليبيا المركزي.
لكن سقوط الرهان لم يُسقط الفكرة.
الفكرة ما زالت حاضرة: تحميل المواطن كلفة الإنفاق المنفلت،
وتحويل الأزمة من فشل إدارة إلى فاتورة استهلاك.
صحيح أن الضرائب لم تمر كما أُريد لها، لكن النتيجة واحدة:
الدولار ارتفع، والدينار انكسر، والمواطن خسر.

** أركنو… السرقة التي لا يريد أحد إيقافها
الأخطر في المشهد ليس فقط ما يُؤخذ من جيب المواطن، بل ما يُترك يُسرق من أصل ثروة البلاد دون أي محاولة جدية لإيقافه.
ملف أركنو ليس لغزًا، وليس إشاعة، وليس تفصيلًا هامشيًا.
هو أحد أكبر مسارات استنزاف الثروة النفطية، يُدار في العلن،
ويُناقش في الإعلام، ويُعرف في الكواليس، ومع ذلك… لا لجنة، لا إيقاف، لا محاسبة، لا جرأة.
الدولة التي تدّعي العجز عن حماية الدينار، هي نفسها التي تملك القدرة على حماية عقود مشبوهة، وتأمين صفقات غامضة،
وتجاهل نزيف مليارات لا يراها المواطن إلا في شكل تضخم وفقر.

** إلى أين نتجه؟
الخطر الحقيقي لا يقف عند 7.45 دينار.
ففي حال استمرت سرقة أصل الثروة، و فشل مصرف ليبيا المركزي في توفير الدولار للسوق بشكل منتظم وشفاف، فإن السوق الموازي لن ينتظر أحدًا.
عندها لن يكون الدولار بعشرة دنانير فقط، بل قد يصل إلى خمسة عشر دينارًا وربما أكثر،
ليس بسبب “مضاربة”، بل بسبب انهيار الثقة الكامل في الدولة، وفي قدرتها على حماية مالها وعملتها.
وحين يصل الدولار إلى هذا المستوى، لن نتحدث عن غلاء معيشة، بل عن تفكك اقتصادي،
وتآكل شامل للدخل، وانفجار اجتماعي لن تنفع معه بيانات التطمين ولا لجان الأزمة.

** أي دولة هذه؟
دولة :
تعجز عن ضبط إنفاقها
وتفشل في حماية عملتها
وتتغاضى عن سرقة ثروتها
ثم تطلب من شعبها “الصبر”؟
هذا ليس سوء إدارة فقط، هذا اختيار سياسي واضح:
مواجهة المواطن أضعف وأسهل من مواجهة الفساد.

**الخلاصة
ارتفاع الدولار في شاشة المصرف إلى 7.45 دينار ليس رقمًا اقتصاديًا، بل إنذار أخير.
إنذار لدولة:
لم تحاول بجدية إيقاف النهب
لم تقترب من ملفات الفساد الكبرى
وفضّلت كسر العملة بدل كسر شبكات المصالح
وفي هذه المعادلة، الدينار يُكسر…
والثروة تُسرق… والمواطن يُدفع به نحو المجهول.