إنّ إصلاح ملف دعم المحروقات لا يتحقّق عبر رفع الدعم في الظرف الراهن، لأنّ هذا الإجراء سيصيب الحلقة الأضعف دون أن يعالج جوهر الخلل القائم؛ فالغالبية العظمى من الدعم بما يقارب 70% تُوجَّه إلى شركة الكهرباء والمؤسسات العسكرية والأمنية بمختلف مسمياتها، والمصانع والورش العامة والخاصة، في ظل غياب الحوكمة الفعّالة والتحديد الدقيق للاحتياج، بينما لا يتجاوز نصيب المواطن 30% من إجمالي الدعم، وعليه، فإنّ رفع الدعم سيؤدي عمليًا إلى تحميل المواطن كلفة إضافية دون تحقيق وفورات حقيقية في الميزانية العامة.
ويزداد هذا المشهد تعقيدًا في ظل عدم اعتماد الاحتياج الفعلي للمحروقات لسنة 2026 حتى الآن، الأمر الذي ينذر بتكرار سيناريو سنة 2025، القائم على الاستيراد المفتوح دون تقدير علمي دقيق للاحتياج الحقيقي، ودون الالتزام بخطة توزيع مُحكَمة، بما يفتح الباب واسعًا أمام الهدر، ويُضعف أدوات الرقابة والمساءلة.
إنّ الحل الحقيقي يكمن في ضبط وتقنين الاحتياج الفعلي، وإخضاع آليات التوزيع للرقابة والمساءلة، وربط الاستحقاق بالحاجة الفعلية، بالتوازي مع إصلاح شركات التوزيع وتعزيز منظومات التتبع والرقابة، بما يحدّ من الهدر والتلاعب، ويحقق العدالة والكفاءة في إدارة ملف دعم المحروقات.
وتبقى مسؤولية معالجة هذا الملف مسؤولية تضامنية مشتركة بين جميع الجهات ذات العلاقة، ولا يمكن المضي في إصلاحه دون إرادة سياسية وإدارية صادقة وحقيقية، خاصة في ظل وجود أطراف مستفيدة من واقع الاختلال القائم، تعمل على عرقلة أي جهود جادة للإصلاح حفاظًا على مصالحها الضيقة.





