بقلم | الكاتب السياسي – محمد غميم

قراءة في سلوك حكومة الدبيبة بعد كل ما كشفه تقرير الديوان (المُنقّح)، والتي عزّزته اليوم مراسلة رئيس مجلس إدارة القابضة الذي أُتِي به من قبل الدبيبة قبل شهور وأُقِيل اليوم بعد اعتماده لقرار وقف دفع أي أموال تحت بند المسؤولية الاجتماعية.

وهي في نفس الوقت محاولة للإجابة عن السؤال المحيّر الذي يفرض نفسه: لماذا تعمل حكومة الدبيبة جاهدة على استنزاف قطاعات الدولة وإفلاس شركاتها وتحطيم المركز المالي لكافة المؤسسات عبر تحميلها لمصاريف ونفقات مثل رعاية المهرجانات والمسابقات ومصاريف السفر وغيرها من المشاريع الوهمية؟!

وللإجابة عن هذا السؤال سأتناول الموضوع من عدة زوايا متداخلة، لا من زاوية واحدة فقط من أجل تفسير ما يحدث:

أولاً: تحويل مؤسسات الدولة إلى “ممول ظل” خارج الرقابة:-
ما يجري هو نقل العبء المالي من الميزانية العامة التي تخضع نسبيًا للرقابة إلى:
ـ شركات مملوكة للدولة
ـ مؤسسات خدمية وإنتاجية
ـ كيانات اقتصادية يفترض أنها ربحية أو على الأقل متوازنة

وبند المسؤولية الاجتماعية تحديدًا هو أحد أخطر الأبواب، لأنه:

  • فضفاض وغير مضبوط
  • يمكن تمرير تحته أي إنفاق سياسي أو إعلامي
  • لا يخضع لمعايير العطاء العام أو الأولويات الاقتصادية

بمعنى آخر: يتم الإنفاق باسم الشركات لا باسم الحكومة، لكن القرار سياسي بحت.

ثانيًا: شراء الولاءات وتدوير النفوذ لا التنمية:-
فجزء كبير من هذه المصاريف (مهرجانات، مسابقات، سفر، فعاليات) لا يُقصد به:
ـ التنمية
ـ الاستثمار
ـ تحسين الكفاءة
بل يُقصد به:
ـ شراء رضا مجموعات مؤثرة
ـ مكافأة شبكات إعلامية وناشطين
ـ تثبيت حضور سياسي مؤقت
ـ خلق صورة “الدولة الراعية للحياة” بدل الدولة الراعية للاقتصاد

وهذا يفسر لماذا:
لا نرى أثرًا اقتصاديًا مستدامًا، ولا تحسنًا في أداء الشركات، ولا نموًا في الإنتاج أو الإيرادات

ثالثًا: إضعاف المؤسسات القوية لتبقى السلطة مركزية:-
المؤسسات الاقتصادية القوية تُمثّل مراكز قرار مستقلة، وحكومة تقوم على الاستمرار دون تفويض انتخابي لا تتحمّل وجود مراكز قوة مالية مستقلة، لذلك تتم:
ـ إنهاك الشركات
ـ تحميلها التزامات لا علاقة لها بنشاطها
ـ إفراغها من الاحتياطي المالي
ـ ثم اتهامها لاحقًا بالفشل وسوء الإدارة، وإقالة أي مسؤول يعترض (كما حدث مع رئيس القابضة)

وهنا الرسالة واضحة: الامتثال أهم من الكفاءة.

رابعًا: الهروب للأمام قبل لحظة الحساب:-
هناك إدراك داخل هذه المنظومة أن:
المرحلة مؤقتة، والتقارير ستُقرأ يومًا ما، والمساءلة قد تأتي ولو بعد حين.
في مثل هذه الحالات، تتحول الإدارة من: “الحفاظ على الدولة” إلى “الاستهلاك قبل الرحيل”.
ولهذا نرى:
ـ تسارع الإنفاق
ـ تضخّم المصروفات غير المنتجة
ـ غياب أي تخطيط متوسط أو
طويل المدى

خامسًا: إفراغ مفهوم “المسؤولية الاجتماعية” من معناه:-
المسؤولية الاجتماعية في الأصل تعني :
ـ دعم المجتمعات المحلية
ـ تحسين بيئة العمل
ـ استدامة العلاقة مع المحيط الاجتماعي
لكن ما يحدث هو:
استخدامها كغطاء قانوني لتحويل أموال عامة إلى أنشطة دعائية بلا أثر اجتماعي حقيقي وبلا عدالة توزيع.

الخلاصة
ما تقوم به حكومة الدبيبة ليس سوء إدارة عابرًا، بل نمط حكم قائم على الاستنزاف، واستخدام الاقتصاد كأداة سياسية، وتفكيك المؤسسات بدل بنائها. والأخطر أن هذا النمط:
لا يترك خلفه فقط عجزًا ماليًا، بل مؤسسات مكسورة تحتاج سنوات لإعادة تأهيلها.