• تشهد ليبيا تدفقًا مستمرًا للمهاجرين غير النظاميين، خاصة من دول إفريقيا جنوب الصحراء، حيث يعبر آلاف المهاجرين الحدود الصحراوية الوعرة يوميًا باتجاه السواحل الليبية، إما للاستقرار مؤقتًا أو لمحاولة العبور إلى أوروبا.

ومع قرب السواحل الليبية من جزيرة لامبيدوزا الإيطالية، التي تبعد نحو 300 كيلومتر فقط، تحولت البلاد إلى نقطة انطلاق رئيسية للهجرة غير النظامية. وبغياب إحصائيات دقيقة، باتت المدن الليبية تعجّ بأعداد هائلة من الوافدين، في ظل تحديات أمنية وإنسانية متزايدة.

  • الحرب السودانية وتفاقم الأزمة

أدت الحرب الدائرة في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع إلى موجات نزوح كبيرة نحو ليبيا، ما عمّق أزمة المهاجرين وفاقم الأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية داخل البلاد.

  • موقف رسمي متباين بشأن التوطين

في فبراير 2025، شدد وزير الداخلية بحكومة الدبيبة عماد الطرابلسي، على أن “ليبيا لن تكون دولة لتوطين المهاجرين”، مؤكدًا رفض أي محاولات لفرض هذا الواقع على البلاد.

لكن في مارس 2025، عقد وزير الحكم المحلي في حكومة الدبيبة، بدر الدين التومي، اجتماعًا مع رئيسة بعثة المنظمة الدولية للهجرة في ليبيا، نيكوليتا جيوردانو، لبحث “تعزيز قدرة البلديات على التعامل مع قضايا المهاجرين”، وهو ما أثار مخاوف واسعة من توجه نحو التوطين المبطن، رغم النفي الرسمي لهذه الفرضية.

  • رفض رسمي وشعبي قاطع

المجلس الأعلى للدولة أصدر بيانًا أكد فيه رفضه القاطع “لأي محاولات توطين المهاجرين تحت أي ذريعة”، معتبرًا ذلك تهديدًا للأمن القومي الليبي وانتهاكًا للسيادة الوطنية.

كتلة التوافق الوطني في المجلس الأعلى للدولة شددت على أن “ليبيا لن تتحول إلى سجن مفتوح أو مركز إيواء للمهاجرين”، داعية مجلس النواب إلى سنّ قوانين تحظر التوطين وتعالج الأزمة من جذورها.

لجنة الأمن القومي بالمجلس الأعلى للدولة، عبر رئيسها سعيد ونيس، اعتبرت أن “عشوائية التواجد الأجنبي تشكل خطرًا كبيرًا على الأمن القومي”، وطالبت بمراجعة الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالهجرة، وإعادة تفعيل وزارة الدولة لشؤون الهجرة لوضع استراتيجية واضحة للتعامل مع الملف.

بدوره، حذر عضو المجلس الأعلى للدولة، منصور الحصادي، من أن “التوطين جريمة بحق ليبيا وسيادتها”، مشيرًا إلى وجود محاولات لاستغلال الأزمة لتحقيق مكاسب سياسية داخلية وخارجية.

  • تحذيرات من استغلال ملف الهجرة في الصفقات السياسية

التحالف الليبي لأحزاب التوافق الوطني تابع التقارير التي تشير إلى “انخراط حكومة الوحدة الوطنية في تفاهمات دولية بشأن توطين المهاجرين”، مؤكّدًا رفضه القاطع لهذا التوجه.

كما دعا التحالف الجهات التشريعية والأمنية، وعلى رأسها مجلس النواب والنائب العام، إلى تحمّل مسؤولياتهم تجاه هذه القضية الحساسة.

وفي ذات السياق، حذّر التحالف من “إقحام ملف الهجرة في مساومات سياسية مع الاتحاد الأوروبي”، معتبرًا ذلك “وسيلة للبقاء في السلطة على حساب أمن واستقرار البلاد”.

  • مجلس النواب: خطر التوطين يمتد إلى الاقتصاد والمجتمع

عضو لجنة الأمن القومي بمجلس النواب، علي الصول، أشار إلى أن “ملف التوطين تقف وراءه شبكات دولية كبرى”، مطالبًا بمواجهته عبر المؤسسات الأمنية والعسكرية، وبدعم شعبي واسع.

كما أكد الصول أن “مجلس النواب أصدر قوانين تمنع دخول المهاجرين غير النظاميين أو توطينهم في ليبيا”، مشددًا على أن “التوطين سيؤدي إلى تغيير ديموغرافي، وزيادة البطالة، والسيطرة على سوق العمل، ما يشكّل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي”.

ودعا الصول الشعب الليبي إلى “الخروج في مظاهرات واسعة للتعبير عن رفض هذه المخططات”.

  • تصاعد الغضب الشعبي وتحركات احتجاجية مرتقبة

في ظل هذه التطورات، تصاعدت الدعوات الشعبية لتنظيم مظاهرات حاشدة الجمعة المقبلة في طرابلس، مصراتة، وبنغازي تحت شعار “لا للتوطين”، تعبيرًا عن الرفض القاطع لهذا التوجه.

  • اضطرابات في تونس تعكس تصاعد التوتر الإقليمي

بالتوازي مع الأزمة المتفاقمة في ليبيا، شهدت مدينة صفاقس التونسية اشتباكات بين قوات الأمن ومواطنين تونسيين ضد المهاجرين الأفارقة، وسط تصاعد التوترات الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بتزايد أعداد المهاجرين في البلاد.

ورغم أن أعداد المهاجرين في تونس تظل أقل مقارنة بليبيا، فإن تصاعد الاحتقان الشعبي واندلاع الاحتجاجات ضد وجود المهاجرين الأفارقة يعكس أزمة إقليمية متنامية، قد يكون لها تداعيات مباشرة على ليبيا، خاصة مع إمكانية تدفق مزيد من المهاجرين إليها نتيجة الضغوط المتزايدة في الدول المجاورة.

  • ختامًا.. هل تتحرك السلطات قبل فوات الأوان؟

مع استمرار تدفق المهاجرين وتزايد المخاوف من فرض واقع جديد في ليبيا، أصبح من الضروري أن تتحرك السلطات الوطنية بحزم لوضع استراتيجية شاملة تعالج الأزمة من جذورها، وتحفظ أمن البلاد وسيادتها، قبل أن يصبح التوطين أمرًا واقعًا يصعب تغييره.