تتزايد هذه الأيام الضغوط المحلية والدولية للدفع نحو إجراء انتخابات برلمانية فقط وتأجيل الانتخابات الرئاسية إلى أجل غير معلوم، تحت شعارات مثل “الواقعية السياسية” و“الحل الأسرع” لفك حالة الانسداد، ويرددها للأسف بعض السياسيين والمثقفين والمحللين باعتبارها مخرجًا عمليًا من الأزمة.

الحقيقة أن هذا الطرح ليس سوى وهم سياسي خطير، لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وتكريس الانقسام القائم وتهدف لخدمة أطراف تخشى الاحتكام إلى انتخابات رئاسية مباشرة يختار فيها الشعب رئيسه بحرية.

إجراء انتخابات برلمانية فقط لن يحل الأزمة الليبية، بل سيكرّس الوضع القائم بصورة أكثر خطورة، وسنجد أنفسنا أمام مجلس نواب جديد في بنغازي ومجلس أمة أو جسم سياسي آخر في طرابلس، مع استمرار الانقسام السياسي والمؤسساتي القائم الآن وربما تعميقه، وستبقى السلطة التنفيذية محل نزاع، وستظل الشرعيات متضاربة، وسيفقد المواطن الليبي ما تبقى لديه من ثقة في العملية السياسية.
لا بد من التمسك بإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن، وانتخاب الرئيس من الشعب مباشرة، فلا يمكن الحديث عن قيام دولة دون رئيس واحد واضح الصلاحيات ويمتد شرعيته من الشعب؛ كما لا توجد اليوم دولة واحدة في العالم بلا رأس للدولة مهما اختلف شكل النظام السياسي فيها، سوى رئيس أو ملك أو أمير أو سلطان، أو أي رمز أعلى للسلطة والسيادة الوطنية، فلماذا يُراد لليبيا وحدها أن تكون الاستثناء؟

هنا يكمن جوهر الأزمة وهنا يتجلى مكمن الداء الحقيقي الذي تعاني منه البلاد منذ سنوات.
بعض الأطراف تدفع نحو خيار الانتخابات البرلمانية فقط لضمان استمرار نفوذها، عبر التأثير في نتائج البرلمان القادم واستخدامه لاحقًا للتمديد أو إعادة تشكيل السلطة وفق مصالحها.

كما تسعى أطراف أخرى إلى إعادة صياغة قوانين انتخاب الرئيس بما يسمح باختياره من داخل البرلمان بدل انتخابه شعبيًا، وهو ما سيجعل المنصب خاضعًا للصفقات السياسية والتدخلات الخارجية لا لإرادة الليبيين.

إن استقرار ليبيا ووحدتها لن يتحققا إلا بوجود رئيس منتخب مباشرة من الشعب، يمتلك شرعية وطنية جامعة تتجاوز الانقسامات والمصالح الضيقة.