بقلم | الأمين العام للحزب الديمقراطي مصطفى البحباح

ما تشهده ليبيا اليوم من صراع ودمار واغتيالات وانهيار مؤسسي ومالي، ليس مجرد أزمات متفرقة، ولا يمكن اختزاله في شخص أو طرف واحد.

إنها حلقات في أزمة دولة، تتقاسم مسؤوليتها منظومة من سلطات الأمر الواقع، متعددة الواجهات، متشابهة في المصالح والنتائج، حيث تُستنزف الدولة، ويُهدر المال العام، ويبقى المواطن أسير الخوف والانقسام والحاجة.

والأخطر من ذلك أن يُراد لهذه المأساة أن تُقرأ بعين الاصطفاف: يُحمَّل طرف واحد كل الشرور، بينما تُمنح أطراف أخرى صكوك البراءة، ويُستدعى الدين لتوفير الغطاء السياسي لها.

الدين ليس أداة لتقديس السلطة، والعالم ليس معصومًا من الخطأ، والفتوى ليست تفويضًا سياسيًا للحاكم.

فحتى الخلفاء الراشدون، على عظيم قدرهم، لم تكن تجربتهم السياسية معصومة من الصراع والفتن والاقتتال، لأن الحكم شأن بشري، والبشر غير معصومين.

ولهذا فإن تصوير المفتي أو الشيخ وكأنه ظل الله في الأرض، أو إضفاء القداسة على مواقفه السياسية، ليس دفاعًا عن الدين، بل توظيفٌ للدين في صراع السلطة.

كما أن اختزال مأساة ليبيا في خليفة حفتر وحده لا يقل تضليلًا، فحفتر جزء من منظومة الصراع على الدولة، كما أن خصومه ليسوا بالضرورة أبرياء منها.

لا يجوز أن ندين الاستبداد في الشرق ونبرره في الغرب، ولا أن نرفض عسكرة الدولة من طرف ونقبلها من طرف آخر، ولا أن نغطي الفساد بفتوى أو بشعار سياسي.

المشكلة ليست في أسماء الأشخاص وحدها، بل في منظومة جعلت الدولة غنيمة، والسلاح وسيلةً للسياسة، والمال العام موردًا للنفوذ، والدين غطاءً للسلطة.

ليبيا لا تحتاج إلى رجل منقذ، ولا إلى شيخ يمنح الشرعية، ولا إلى قائد يفرضها بالقوة، بل تحتاج إلى دولة يكون فيها الحاكم خاضعًا للقانون، والعسكري في ثكنته، والعالم مستقلًا عن السلطة، والمال العام مصانًا، والمواطن هو صاحب الحق.

الخلاص ليس بتبديل وجهٍ بوجه، ولا حكومةٍ بحكومة، بل بإسقاط منظومة الحكم التي صنعت من الانقسام موردًا، ومن الفساد نظامًا، ومن الدين أداةً لتبرير السلطة.

الحكم من أمور الدنيا، والدنيا تُدار بالعقل والمؤسسات والقانون، لا بالقداسة ولا باحتكار الحقيقة باسم الله