ما شهدناه من بعض المتحفظين داخل الحوار المهيكل لم يكن خلافًا في الرأي ولا حرصًا على تحسين المخرجات، بل كان مشروع تعطيل واضح المعالم منذ البداية، فقد تحولت التحفظات عندهم من أداة لإبداء الرأي إلى وسيلة لإفشال أي توافق يمكن أن يقود إلى إنهاء المراحل الانتقالية ووضع البلاد على طريق الاستقرار.

في مجموعة الحوكمة حرصنا على استيعاب جميع الآراء، بل وأخذنا بمقترحاتهم ودمجناها مع مقترحاتنا للوصول إلى أرضية مشتركة؛ قدمنا التنازلات؛ وعدّلنا الصياغات؛ وأدخلنا ملاحظاتهم في أكثر من موضع، إيمانًا منا بأن الحوار لا ينجح إلا بالتوافق؛ لكنهم ظلوا يرفضون ويعترضون ويتحفظون على كل شيء، دون تقديم مبررات مقنعة أو بدائل عملية.
كان واضحًا أن المشكلة لم تكن في النصوص ولا في المقترحات، بل في وجود إرادة مسبقة لتعطيل أي مخرج قد يهدد بقاء الواقع السياسي القائم. ولذلك لم يكن مستغربًا أن نصل إلى الجلسة الختامية لنفاجئ بتحفظات جديدة على مخرجات شاركوا هم أنفسهم في مناقشتها وصياغة أجزاء منها.

والحقيقة التي يجب أن تقال إن مخرجات الحوار كان يمكن أن تكون أكثر قوة وتفصيلًا وجودة لولا الوقت والجهد اللذان استُنزفا في التعامل مع محاولات التشويش والتعطيل المستمرة. كما أن التواصل الدائم لبعضهم مع الحكومة والأجسام القائمة كشف أن كثيرًا من مواقفهم لم تكن نابعة من حرص على الوطن، بل من رغبة في حماية وضع سياسي مأزوم يستفيدون من استمراره.

واليوم يحاول بعض هؤلاء الظهور في وسائل الإعلام كأنهم حماة المصلحة الوطنية، بينما يعرف كل من شارك في الحوار أنهم كانوا الأكثر اعتراضًا والأقل مساهمة في تقديم الحلول. فالوطن لا يحتاج إلى محترفي التحفظات، ولا إلى من يقتات على استمرار الأزمات، بل إلى رجال دولة يمتلكون الشجاعة لاتخاذ القرار وتحمل مسؤولياته.

سيذكر التاريخ من عمل للوصول إلى توافقات تنهي الانقسام وتفتح الطريق أمام الانتخابات، كما سيذكر من جعل من التحفظات ستارًا للتعطيل ومن الأزمة وسيلة للبقاء. فالفارق كبير بين من يبحث عن حل للوطن، ومن يتاجر بالوطن تحت لافتة التحفظات.